أمريكا وصورة «مادورو» (2)
استغلت إدارة ترامب الصور الملتقطة للرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو، وهو يسير مرتدياً بذلته بين جنديين أمريكيين من قوات «دلتا» يقبضان على ذراعيه، ثم وهو مقيد اليدين جالساً فى طائرة تأكله الحيرة والشكوك والقلق، وصورة ثالثة وهو يهبط يغالب الدهشة، وبعدها رابعة وهو يرتدى زى السجن. وبينما كان تداول هذه الصور يسرى فى أوصال مواقع التواصل الاجتماعى بسرعة رهيبة، بث الأمريكيون فيديو لعملية الإنزال العسكرى قبيل القبض على مادورو مباشرة، والتى قال ترامب نفسه إنها لم تستغرق أكثر من أربع وسبعين ثانية.
أرادت إدارة ترامب بهذه الصور أن تطلق التطبيق العملى لـ«استراتيجية الأمن القومى» التى أعلنتها مؤخراً، وجددت فيها العمل بـ«مبدأ مونرو»، ومنه تعتبر واشنطن أن أمريكا اللاتينية هى «حديقتها الخلفية» و«مجالها الحيوى»، ولن تسمح لأى طرف دولى بأن يجد على أرضها مصلحة اقتصادية، أو نفوذاً سياسياً، أو قوة عسكرية، تهدد الولايات المتحدة أو تكون على حساب مصالحها، وأن على رؤساء دول هذه القارة أن يفهموا هذا الأمر تماماً، وإلا لحقوا بمادورو.
وإذ عمدت واشنطن، التى رسخت قاعدة أن نصف المعركة فى الإعلام، إلى إظهار فرط قوتها، وهى بارعة فى تسويق النصر التليفزيونى، فإنها فى الوقت نفسه أرادت أن ترسل رسالة حاسمة إلى الداخل الفنزويلى وهى أن مادورو قد انتهى، والأمور قد حُسمت، ومن سيأتى بعده يجب أن يسلك مع واشنطن سلوكاً مختلفاً تماماً، بل يفعل ما تريده هى بالأساس، وإلا سيلقى المصير نفسه، وأن على الشعب الفنزويلى أن يدرك هذا جيداً، ولا يزايد على تبعية من يجلس مكان مادرور لواشنطن، بل يجب أن ينسحب هذا على شعوب دول أمريكا اللاتينية، خاصة دول ساحلها الشمالى المواجه لجغرافية الولايات المتحدة.
الأخطر من كل هذا أن فى هذه الصور إعلان تحدٍّ أمريكى سافر للقواعد المتعارف عليها دولياً فى احترام سيادة الدول، والامتثال للقانون الدولى، ولو من الناحية الشكلية، والتصرف مع رؤساء الدول، حتى لو كانت صغيرة أو ضعيفة، بما يراعى وضعهم الرمزى، ولا يجرح شعور شعوبهم.
ربما اعتادت كثير من الإمبراطوريات التى سبقت أمريكا فى الهيمنة على العالم، وعبر التاريخ الإنسانى، عدم الاعتناء بإدراك الآخرين لهم، بل كان التتار يتعمدون أن يراهم أعداؤهم غاية فى البشاعة والدموية، لكن ما يختلف الآن بالنسبة للإمبراطورية الأمريكية أننا صرنا فى عصر الصورة، وهى بقدر ما تمنح من يبثها بعض ما يرمى إليه، بقدر ما تخصم منه الكثير، وهو هنا مزيد من نزيف صورة دولة ترعى الحرية والديمقراطية وتصنع التوازن الدولى وفق العقلانية والرشادة، حسبما ظلت الولايات المتحدة تسوق عن نفسها هذه المزاعم، عقب الحرب العالمية الثانية وإلى الآن.
ولعل ما يتداوله الأمريكيون أنفسهم الآن بغزارة لصورة تعبيرية وضعوا فيها رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو مكان مادورو بين أيدى الجنود الأمريكيين، ما يدل على أن ترامب لم يستطع تجنب الخسائر التى لحقت بإدارته جرَّاء مسارعته ببث صور مادورو.