«معلومات الوزراء»: الليثيوم «القلب النابض» للتحول الأخضر.. ونسعى لتأمين سلاسل إنتاجه
«معلومات الوزراء»: الليثيوم «القلب النابض» للتحول الأخضر.. ونسعى لتأمين سلاسل إنتاجه
أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، تحليلاً جديداً تناول من خلاله عنصر الليثيوم، حيث أشار إلى أهميته باعتباره مورداً استراتيجياً آخذاً في الصعود، وذلك من خلال استعراض طبيعته وخصائصه، وأبرز استخداماته، ومزاياه، بالإضافة إلى تتبع وضعه على الخريطة العالمية، وصولاً إلى تقييم فرص مصر في تعظيم الاستفادة منه ضمن مسار التحول نحو الاقتصاد الأخضر.
أوضح التحليل أن الليثيوم يُعَد أحد العناصر الأرضية المهمة في المشهد الجيو-اقتصادي العالمي في السنوات الأخيرة، بعدما تحوَّل من معدن محدود الاستخدام إلى ركيزة أساسية في مجال الطاقة. وبفضل خصائصه الفريدة، كونه أخف المعادن وأكثرها تفاعلية، أصبح يمثل القلب النابض لبطاريات الأجهزة الإلكترونية والسيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة؛ مما رفع الطلب العالمي عليه إلى مستويات غير مسبوقة، وجعله عنصراً استراتيجياً تتنافس الدول على تأمينه وتطوير سلاسل إنتاجه ضمن معادلة الأمن القومي والتحول الأخضر، ومع توسُّع الاعتماد على الطاقة المتجددة والنقل النظيف، يتزايد دور الليثيوم في تشكيل مستقبل الصناعة، والاقتصاد، والتكنولوجيا، على حد سواء.
خصائص الليثيوم وتاريخ اكتشافه
أشار التحليل إلى أن الليثيوم يُعد عنصراً كيميائياً من الفلزات القلوية ورمزه الكيميائي Li، ويتميز بلونه الفضي ومظهره الصلب الأملس، ويتفاعل الليثيوم مع الأكسجين مكوناً أكسيد الليثيوم (LiO2)، كما يتفاعل مع الماء منتجاً هيدروكسيد الليثيوم وغاز الهيدروجين، بالإضافة إلى تفاعله مع عدد من المعادن الأخرى. وتبلغ درجة انصهاره 180.5 درجة مئوية، بينما تصل درجة غليانه إلى 1330 درجة مئوية.
ولفت التحليل إلى أن اكتشاف الليثيوم يعود إلى عام 1817 على يد الكيميائي السويدي "يوهان أوغست أرفويدسون" في أثناء تحليله لمعدن البيتاليت، ثم سرعان ما عثر على العنصر نفسه في معدني السبودومين والليبيدوليت، وبعد أن أكمل "أرفويدسون" تحليل العينات التي جمعها من جزيرة أوتو في السويد، قام أستاذه الأكاديمي "جون جاكوب بيرزيليوس" بإطلاق اسم "ليثيون" على الاكتشاف، وهو مشتق من اسم "حجر الليثوس" اليوناني، قبل أن يُعتَمَد بالاسم الشائع حالياً "ليثيوم".
توزيع خامات الليثيوم واستخداماته الصناعية
وأوضح التحليل أن الليثيوم يوجد دائماً متحداً مع عنصر أو أكثر في مركبات كيميائية مختلفة، ويشكل الليثيوم نسبة ضئيلة في العديد من الصخور البركانية، كما يوجد أيضاً في المياه ذات الملوحة المرتفعة مثل المحاليل الملحية، وتنتشر خامات الليثيوم في مناطق متعددة حول العالم تشمل أوروبا وآسيا وإفريقيا وأمريكا، ومن أهم خاماته المعدنية: السبوديومين والليبيدوليت والبيتاليت والأمبليجونيت.
أشار التحليل إلى تعدد مزايا واستخدامات الليثيوم في عالم التكنولوجيا الحديثة؛ فقد ازدادت قيمته مع التوسع في الأجهزة الذكية والطاقة النظيفة، فبات يدخل في البطاريات، والسبائك الخفيفة، وصناعة الزجاج، وبعض الاستخدامات الطبية والصناعية المتخصصة، وفي عام 2023 كانت البطاريات تمثل أكبر مجال لاستخدام الليثيوم بنسبة 87% من إجمالي الاستخدام، تليها صناعات السيراميك والزجاج بنسبة 4%، ثم مواد التشحيم (الشحوم) بنسبة 2%، ومواد الصهر المستخدمة في الصب المستمر بنسبة 1%، بينما شكلت الاستخدامات الأخرى نحو 6%.
تفاصيل استخدامات الليثيوم ومخاطر إساءة الاستعمال
-
يستخدم الليثيوم في البطاريات القابلة لإعادة الشحن مثل بطارية "الليثيوم أيون"؛ حيث تتميز بكثافة الطاقة العالية وخفة الوزن والمرونة والعمر الافتراضي الطويل والكفاءة، بالإضافة إلى التكلفة المنخفضة نسبياً بسبب التطور التكنولوجي خلال السنوات الماضية. وتُستخدَم بطاريات الليثيوم أيون في العديد من التطبيقات أهمها الأجهزة الإلكترونية المحمولة والسيارات الكهربائية (EVs) وتخزين الطاقة المتجددة والمجال العسكري والفضائي. كما يستخدم الليثيوم في بعض البطاريات غير القابلة للشحن مثل تلك الموجودة في أجهزة تنظيم ضربات القلب والألعاب والساعات.
-
يستخدم الليثيوم لصنع سبائك مع الألومنيوم والمغنيسيوم؛ مما يعزز قوتها ويجعلها أخف وزناً، وتستخدم سبائك المغنيسيوم-ليثيوم في الدروع الواقية، بينما تستخدم سبائك الألومنيوم-ليثيوم في الطائرات، وهياكل الدراجات، والقطارات عالية السرعة.
-
يستخدم أكسيد الليثيوم في صناعة أنواع خاصة من الزجاج والزجاج الخزفي، كما يُعَد كلوريد الليثيوم من أكثر المواد قدرة على امتصاص الرطوبة، لذا يستخدم في أجهزة التكييف وأنظمة التجفيف الصناعية، وكذلك بروميد الليثيوم. ويستخدم ستيارات الليثيوم كمادة تشحيم متعددة الاستخدامات وتتحمل درجات حرارة عالية، أما كربونات الليثيوم فتُستخدَم في صنع الأدوية لعلاج الاضطرابات النفسية والمزاجية نظراً لفعاليتها العلاجية، ويُستخدَم هيدريد الليثيوم كوسيلة لتخزين الهيدروجين لاستخدامه كوقود.
وعلى الرغم من المزايا العديدة التي يتمتع بها الليثيوم وخصوصاً بطاريات الليثيوم أيون بوصفها مصدراً موثوقاً ونظيفاً للطاقة، فإن المخاطر المرتبطة باستخدامها أصبحت قضية لا يمكن تجاهلها. فمن أبرز هذه المخاطر، إمكانية إساءة استخدام بطاريات الليثيوم أيون، حيث يمكن وقتها أن يشكل خطراً محتملاً على الأمن العالمي؛ نظراً لما تتمتع به من قدرة عالية على تخزين الطاقة، وفي حال سوء التعامل معها أو تعمد إتلافها، قد تتحول هذه الطاقة المخزنة إلى مصدر خطر كبير، يتمثل في اندلاع حرائق أو حدوث انفجارات، كما أن الانتشار الواسع لهذه البطاريات وسهولة الحصول عليها يثيران مخاوف متزايدة بشأن استغلالها في أنشطة إجرامية أو تهديدات أمنية.
إحصائيات الإنتاج العالمي واحتياطيات الدول
أشار التحليل إلى بلوغ إنتاج الليثيوم عالمياً 240 ألف طن متري في عام 2024، ويمثل هذا زيادة كبيرة مقارنة بعام 2010، حين كان الإنتاج العالمي لليثيوم نحو 28.1 ألف طن متري. وتُعَد أستراليا الدولة الرائدة عالمياً في إنتاج الليثيوم بإنتاج يقدر بنحو 88 ألف طن متري. ويمثل هذا الرقم ارتفاعاً ملحوظاً عن عام 2014، حين كان يقدر إنتاجها بنحو 13.3 ألف طن متري. وأما بالنسبة لتكرير الليثيوم، فمن المتوقع أن يتضاعف إنتاج كربونات الليثيوم بحلول عام 2030؛ ليصل إلى ما بين 220 - 260 ألف طن. كذلك من المتوقع أن يتضاعف إنتاج هيدروكسيد الليثيوم بحلول عام 2030، ليصل إلى ما بين 170 و185 ألف طن من الليثيوم.
وقد بلغت الاحتياطيات العالمية من الليثيوم في عام 2024 نحو 30 مليون طن متري، مقارنة بنحو 13 مليون طن متري في عام 2010. وتُعَد تشيلي صاحبة أكبر احتياطيات من الليثيوم على مستوى العالم في عام 2024، بنحو 9.3 ملايين طن متري، تليها أستراليا بنحو 7 ملايين طن متري، ثم الأرجنتين بنحو 4 ملايين طن متري، فالصين بنحو 3 ملايين طن متري، ثم الولايات المتحدة الأمريكية بنحو 1.8 مليون طن متري.
وخلال عام 2023، احتلت تشيلي المرتبة الأولى كأكبر مصدر لكربونات الليثيوم في العالم؛ حيث بلغت قيمة صادراتها ما يقارب 5.43 مليارات دولار، وحلَّت في المرتبة الثانية، وبفارق كبير، الصين التي صدَّرت بما يقارب 518.29 مليون دولار من كربونات الليثيوم، أما على مستوى الاستيراد فقد كانت الصين عام 2023 أكبر مستورد لكربونات الليثيوم في العالم، بقيمة واردات بلغت 6.33 مليارات دولار. وفي عام 2024، ظلَّت تشيلي بالمرتبة الأولى كأكبر دولة مصدرة لكربونات الليثيوم، ولكن بقيمة أقل عن عام 2023؛ حيث بلغت قيمة صادراتها نحو 2.62 مليار دولار، وجاءت الأرجنتين في المرتبة الثانية، وبفارق كبير؛ إذ سجلت قيمة صادراتها من كربونات الليثيوم نحو 406 ملايين دولار. وفي عام 2024 أيضاً، حافظت الصين على مكانتها كأكبر مستورد لكربونات الليثيوم، ولكن بقيمة أقل من عام 2023؛ إذ بلغت قيمة وارداتها نحو 2.72 مليار دولار فقط.
فرص مصر في تعظيم الاستفادة من الليثيوم
أوضح التحليل أن الليثيوم يُعَد من العناصر الاستراتيجية المهمة في رؤية مصر 2030؛ حيث تتابع الدولة التطورات العالمية في تقنيات تخزين الطاقة الكهربائية المرتبطة بأنظمة الطاقة المتجددة، مثل بطاريات الليثيوم، وتهدف هذه الجهود إلى تعظيم الاستفادة من الموارد المحلية، ودعم التحول للطاقة النظيفة، وتطوير الصناعات الوطنية المرتبطة بالطاقة المتجددة. ويتركز الليثيوم في عدة مناطق داخل مصر، ومن أبرز هذه المواقع رواسب مجرى النهر ومنطقة جبل المويلحة في وسط الصحراء الشرقية. وفي هذا الإطار تسعى الحكومة إلى تطوير قطاع الليثيوم ضمن جهودها لتعزيز التحول للطاقة النظيفة والاستفادة من الموارد المعدنية الوطنية، من خلال التعاون مع الشركات العالمية، ودعم الاستكشافات الجيولوجية، ووضع التشريعات المحفزة للاستثمار، بما يُسهِم في تعظيم القيمة المضافة للاقتصاد الوطني. ومن أبرز هذه الجهود ما يلي:
-
توقيع مذكرة تفاهم في عام 2022 بين الهيئة المصرية العامة للثروة المعدنية وشركة أيوك برودكشن التابعة لشركة إيني الإيطالية؛ لتعزيز التعاون في تحديد واستكشاف الفرص المحتملة للمعادن الحيوية المرتبطة بعملية تحول الطاقة ومشروعات الطاقة النظيفة.
-
إنشاء شركة "شيفت إي في (Shift EV)" لتكون أول شركة مصرية متخصصة في تصنيع بطاريات أيون الليثيوم، والتحويل الصناعي للسيارات للعمل بالكهرباء.
أشار التحليل إلى إصدار الدولة في عام 2025، قراراً بتعديل بعض أحكام قانون هيئة الثروة المعدنية رقم 198 لسنة 2014؛ حيث تتضمن هذه التعديلات تحويل الهيئة المصرية العامة للثروة المعدنية إلى هيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية بهيكل اقتصادي مستقل وبصلاحيات موسعة، وتنظيم البحث والاستغلال للمعادن بما فيها الليثيوم.
مقترحات لتعظيم القيمة المضافة للاقتصاد الوطني
تضمن التحليل مجموعة من المقترحات والتوجهات لتعظيم الاستفادة من الليثيوم، أهمها:
-
إمكانية إنشاء شركة وطنية لليثيوم للعمل في جميع مراحل الإنتاج من الاستخراج إلى تدوير البطاريات.
-
تشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص للاستفادة من التقنيات الحديثة.
-
تعزيز التعاون مع الشركات العالمية مثل (SLB) و(EGPC) لمسح ودراسة مواقع تمركز الليثيوم في مصر.
-
إبرام اتفاقيات توريد مع الشركات الرائدة مثل "ألبيمارل (Albemarle)".
-
نقل الخبرات والتكنولوجيا عبر التعاون مع الجامعات والمراكز البحثية المصرية لتدريب الكوادر.
وأوضح التحليل في ختامه أن الليثيوم يُعَد من أهم الموارد الاستراتيجية في السنوات الأخيرة؛ نظراً لدوره المحوري في دعم التحول نحو الطاقة النظيفة وصناعة البطاريات، وتزداد أهميته مع تنامي الطلب العالمي عليه؛ مما يستلزم تبني سياسات فعّالة تعظم الاستفادة منه عبر التصنيع المحلي، والابتكار التكنولوجي، والاستخراج المستدام.