«دافوس 2026».. الدول العربية بين «اختبار المخاطر» وفرص الذكاء الاصطناعي

كتب: سيد خميس

«دافوس 2026».. الدول العربية بين «اختبار المخاطر» وفرص الذكاء الاصطناعي

«دافوس 2026».. الدول العربية بين «اختبار المخاطر» وفرص الذكاء الاصطناعي

فى عالم يتقدّم بخطوات متسارعة نحو إعادة تشكيل قواعد الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا، صدر تقرير «توقعات كبار الاقتصاديين - يناير 2026»، عن المنتدى الاقتصادى العالمى فى «دافوس»، الذى أعده «مركز الاقتصاد والمجتمع الجديد»، التابع للمنتدى، بوصفه أحد تقارير الرؤية الاستشرافية الأساسية التى تُواكب انعقاد المنتدى السنوى فى «دافوس»، ومع تقاطع التوترات الجيوسياسية مع التحولات الرقمية الكبيرة، جاءت موضوعات «الذكاء الاصطناعى، وسلاسل الإمداد، وأمن الطاقة» على قمة أولويات التقرير.

وأظهر تقرير «توقعات كبار الاقتصاديين» أن مخاطر الديون وتضخم الأصول تتقاطع مع تحولات «جيو-اقتصادية» عميقة، بينما يفرض الذكاء الاصطناعى نفسه كأقوى قوة دافعة للنمو منذ عقود، وكشف التقرير عن أن الاقتصاد العالمى يدخل عام 2026 وهو «أكثر مرونة» مما كان يُخشى، لكنه أيضاً «أكثر هشاشة» أمام الصدمات، إذا ما أُسىء التعامل مع هذه المرحلة الانتقالية الحساسة، كما أن الاقتصاد العالمى فى 2026 يأتى بين «تشاؤم حذر» لدى غالبية الخبراء، و«تفاؤل مشروط» بقدرة غالبية الدول على التكيّف.

ووفقاً للتقرير، يرى 53% من كبار الاقتصاديين أن الأوضاع الاقتصادية العالمية مرشحة للتراجع خلال عام 2026، مقابل 28% يتوقعون الاستقرار، و19% فقط يرجحون تحسناً، فى صورة أقل تشاؤماً، مقارنة بتوقعات سبتمبر 2025، التى مالت فيها الكفة بوضوح نحو السلبية، كما أبرز التقرير أن الذكاء الاصطناعى بات فى قلب معادلة الاقتصاد العالمى، بوصفه فرصة إنتاجية تاريخية، ومصدراً جديداً للمخاطر فى آن واحد، فبينما تتسابق الاقتصادات الكبرى لضخ استثمارات ضخمة فى مراكز البيانات والطاقة والبنية الرقمية، تتصاعد المخاوف من تضخم تقييمات الأصول المرتبطة بالذكاء الاصطناعى، ومن فجوات متنامية بين الاقتصادات القادرة على التبنى السريع وتلك المتأخرة. وبالنسبة للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وضع التقرير المنطقة فى موقع «الوسط المتقدم»، ليست ضمن الاقتصادات الأسرع نمواً مثل جنوب آسيا، ولا بين الأضعف مثل أوروبا، لكنها تمتلك مزيجاً فريداً من الطاقة، والفوائض المالية، والمشاريع التكنولوجية الناشئة، ما قد يجعلها أحد المستفيدين من التحول الرقمى العالمى إذا أحسنت إدارة المخاطر. فى المقابل، سجل الذهب عودة قوية كملاذ آمن، محققاً ارتفاعاً بنحو 60% خلال عام 2025، وهو أفضل أداء سنوى له منذ 1979، مدفوعاً بتزايد الطلب، فى ظل التوترات الجيوسياسية، وعمليات شراء مكثفة من البنوك المركزية، أما العملات المشفرة، فقد ظلت تحت الضغط، حيث يتوقع 62% من الاقتصاديين مزيداً من التراجع فى قيمتها خلال العام المقبل.

وعلى صعيد الديون، كشف التقرير أن الدين العام العالمى بلغ مستوى قياسياً عند 102 تريليون دولار فى 2024، مع توقعات بارتفاعه إلى نسبة تصل نحو 100% من الناتج المحلى الإجمالى العالمى بحلول 2029، مشيراً إلى أن الاقتصادات النامية لا تمثل سوى أقل من ثلث الدين العالمى.

وأكد التقرير أن الاقتصاد العالمى بات «متعدد السرعات»؛ ففى الولايات المتحدة، تحسنت توقعات النمو بشكل لافت، إذ يتوقع 69% من الاقتصاديين نمواً معتدلاً، و11% نمواً قوياً، مدفوعاً باستثمارات الذكاء الاصطناعى، التى يُتوقع أن تضيف ما بين 100 و225 مليار دولار سنوياً إلى الإنفاق على مراكز البيانات وحدها، خلال السنوات الخمس المقبلة، كما يرى 97% من المشاركين فى التقرير أن الأصول المرتبطة بالذكاء الاصطناعى لها «أثر كبير أو كبير جداً» على النمو الأمريكى.

فى المقابل، تواجه أوروبا أضعف توقعات نمو بين المناطق الرئيسية، حيث يتوقع 53% نمواً ضعيفاً، فى ظل ضغوط ديموجرافية، وتكاليف الحرب، وتباطؤ القدرة التنافسية التكنولوجية، أما الصين، فرغم تباطؤ بعض القطاعات التقليدية، مثل العقارات، فإنها تواصل الاعتماد على الابتكار التكنولوجى، والنماذج مفتوحة المصدر فى الذكاء الاصطناعى؛ للحفاظ على زخم النمو، مع توقع 83% من الاقتصاديين أن يكون للاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعى أثر ملموس على النمو خلال العامين المقبلين.

وفيما يخص منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أوضح التقرير أن الإقليم يقع فى «منطقة وسطى إيجابية»، إذ يتوقع نحو ثلث الاقتصاديين نمواً قوياً، بينما يتوقع الثلثان نمواً معتدلاً، دون وجود توقعات بنمو ضعيف، وهو تحسن ملحوظ مقارنة بالتقارير السابقة.

وخصص التقرير فصلاً كاملاً لتوقعات تبنى الذكاء الاصطناعى، كاشفاً عن فجوات زمنية واضحة بين المناطق، ففى الولايات المتحدة، يتوقع 79% من الاقتصاديين تحقيق مكاسب إنتاجية ملموسة خلال عامين، مع 55% يرون أن هذه المكاسب قد تبدأ خلال عام واحد فقط، وفى الصين، ترتفع النسبة إلى 81% خلال عامين.

أما فى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فيتوقع 55% من الاقتصاديين أن تظهر مكاسب إنتاجية خلال من 3 إلى 4 سنوات، وهو إطار زمنى أطول قليلاً من أوروبا، لكنه أقصر من أفريقيا - جنوب الصحراء، حيث يرى 73% أن المكاسب قد تستغرق من 4 إلى 5 سنوات أو أكثر.

وأكد التقرير أن وجه التحول هو سوق العمل، إذ يتوقع 72% من كبار الاقتصاديين خسائر وظيفية «محدودة»، أو «ملحوظة»، خلال العامين المقبلين، ترتفع إلى 57% خلال أفق عشر سنوات، فى المقابل يرى 32% فرصاً لنمو وظائف جديدة على المدى الطويل، فى مجالات لا تمتلك نظيراً واضحاً قبل عصر الذكاء الاصطناعى.

ما خرج به تقرير «توقعات كبار الاقتصاديين» لمنتدى «دافوس 2026» ليس «نبوءة اقتصادية»، بقدر ما هو «تحذير استراتيجى»، فالعالم يقف على حافة تحول قد يفتح باباً لازدهار واسع تقوده التكنولوجيا، أو يكرّس انقساماً أعمق بين اقتصادات قادرة على الاستثمار فى الذكاء الاصطناعى، وأخرى تعانى تحت أعباء عدم اليقين.