د. روبرت رابيل يكتب لـ«الوطن»: جذور الصراع في السودان وتحولاته الإقليمية على ضفاف البحر الأحمر
د. روبرت رابيل يكتب لـ«الوطن»: جذور الصراع في السودان وتحولاته الإقليمية على ضفاف البحر الأحمر
اندلعت الحرب فى السودان فى أبريل 2023، على خلفية الصراع بين القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق عبدالفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع، بقيادة الفريق محمد حمدان دقلو «حميدتى». وما بدأ كمنافسة بين نخب عسكرية، سرعان ما انحدر إلى نزاع مدمر اتسم بعمليات قتل على أسس عرقية، وعنف جنسى واسع النطاق، وهجمات ممنهجة ضد المدنيين. وفى جوهره، تُغذّى هذه الحرب بمزيج معقد من العوامل الأيديولوجية والعسكرية والشخصية والسياسية، المتجذرة بعمق فى تاريخ السودان، والمضخّمة بفعل التنافسات الإقليمية.
لطالما تأثرت القوات المسلحة السودانية بشبكات إسلامية، لا سيما منذ استيلاء عمر البشير على السلطة فى انقلاب عام 1989، بدعم من الجبهة الإسلامية القومية بقيادة حسن الترابى. وفى عهد البشير، تَرسّخ تحالف عسكرى - إسلامى داخل بنية الدولة، وحكم السودان فعلياً لنحو ثلاثة عقود. وفى الوقت ذاته، أنشأ «البشير» قوات الدعم السريع انطلاقاً من ميليشيات «الجنجويد» سيئة الصيت، لقمع التمرد فى دارفور بوحشية مطلع الألفية الجديدة. وقد قادت هذه السياسات فى النهاية إلى توجيه المحكمة الجنائية الدولية اتهامات للبشير بارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
عقب الإطاحة بـ«البشير» فى أبريل 2019، تشكّلت حكومة انتقالية هشة لتقاسم السلطة، بهدف قيادة البلاد نحو حكم ديمقراطى. ورغم إبعاد عدد من الإسلاميين رسمياً عن مؤسسات الدولة، فإن نفوذهم لم يُفكك بالكامل. وقد تعثرت المرحلة الانتقالية فى أكتوبر 2021، عندما توقف مسار التحول الديمقراطى. فأعادت العناصر الإسلامية تنظيم صفوفها، ومع تعثر المفاوضات السياسية وتصاعد الخلافات حول مستقبل دمج قوات الدعم السريع أو حلّها، استمرت التوترات وتصاعدت الأزمة، وبدأ الاقتتال الداخلى.
ومع اشتداد الحرب سارعت أطراف إقليمية إلى الاصطفاف خلف معسكرات متقابلة، محوِّلة السودان إلى ساحة صراع بالوكالة. وتستند هذه الاصطفافات إلى مزيج من التباينات الأيديولوجية والطموحات الاقتصادية وحسابات الأمن القومى. فمصر والسعودية وقطر تنظر إلى القوات المسلحة السودانية باعتبارها مؤسسة دولة شرعية قادرة على حفظ النظام ومنع انهيار الدولة. فى المقابل، ترى دول أخرى أن القوات المسلحة تمثل مركز ثقل إسلامياً يتعارض مع توجهاتها الأيديولوجية واستثماراتها الاقتصادية فى السودان. وبناءً عليه، دعمت كل قوة إقليمية الطرف الذى اعتبرته أكثر انسجاماً مع مصالحها الاستراتيجية.
ولا تقتصر أهمية السودان على حدوده الوطنية. فالبلاد غنية بالموارد الطبيعية، وتحتل موقعاً جيوسياسياً بالغ الحساسية على البحر الأحمر، مطلة على أحد أهم الممرات البحرية فى العالم، وتشكّل حاجزاً أمام تمدد الإسلام السياسى والنفوذ الإيرانى، وعدم الاستقرار القادم من منطقة الساحل. وقد أسهمت هذه العوامل فى رفع الحرب السودانية إلى مستوى صراع إقليمى أوسع.
بحلول عام 2025، تطورت هذه المنافسة إلى مواجهة بالوكالة أكثر وضوحاً، رغم جهود الوساطة التى قادتها الولايات المتحدة لمنع الانهيار الكامل للسودان. وبينما اتهمت واشنطن كلاً من القوات المسلحة وقوات الدعم السريع بارتكاب فظائع، فإنها أعطت الأولوية للمسار الدبلوماسى فى محاولة لاحتواء الصراع. غير أن التنافس الإقليمى الذى تتجلى آثاره أيضاً فى اليمن، إلى جانب اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال»، قد فاقم حدة التنافس الدولى على البحر الأحمر.
وتفيد تقارير بأن الاستخبارات الأمريكية تخشى أن تؤدى إطالة أمد الحرب إلى تدمير السودان، وتفاقم الكارثة الإنسانية، وتحويل البلاد مجدداً إلى ملاذ للجماعات المتطرفة، كما كان الحال فى تسعينات القرن الماضى. وعلى نطاق أوسع، وفى غياب تسوية إقليمية، يُرجَّح أن يتصاعد التنافس حول البحر الأحمر، مستقطباً قوى دولية كبرى مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا، إلى جانب أطراف إقليمية تشمل تركيا ومصر وإسرائيل وإيران. وتسعى هذه القوى جميعاً للوصول إلى الموانى الاستراتيجية، والسيطرة على طرق التجارة الحيوية مثل مضيق باب المندب، وتعزيز النفوذ الإقليمى، ما يحوّل البحر الأحمر إلى ساحة صراع بالوكالة تحكمه اعتبارات اقتصادية وجيواستراتيجية.
وفى خضم هذا الصراع المتفاقم، يبدو السودان الخاسر الأكبر. كما يواجه الخليج العربى بدوره مخاطر جسيمة، إذ يهدد الانقسام الداخلى بتقويض نفوذه الدولى المتنامى، وإضعاف قدرته الجماعية على التأثير فى لحظة مفصلية من تاريخ المنطقة.