سامح فايز يكتب: عندما يفقد الإخوان الغطاء الدولي
سامح فايز يكتب: عندما يفقد الإخوان الغطاء الدولي
إن الغطاء الدولى الذى تمتّع به تنظيم الإخوان طوال عقود لم يكن مسألة رمزية أو هامشية، بل كان جزءاً أساسياً من معادلة بقائه خارج دوله الأصلية. ذلك الغطاء، الذى لم يكن دائماً رسمياً أو معلناً، أتاح للتنظيم مساحات حركة، ومنافذ تمويل، ومنابر خطاب، وقدرة على المناورة السياسية حين تُغلق الأبواب فى الداخل. لكن ما نشهده اليوم يوحى بأن تلك المظلة تتآكل، لا بفعل قرار واحد، بل نتيجة مسار طويل من المراجعة والشكوك.
فقدان الغطاء الدولى لا يعنى بالضرورة حظراً شاملاً أو نهاية فورية، لكنه يعنى شيئاً أكثر عمقاً: ارتفاع كلفة الوجود. التنظيم الذى كان يتحرّك فى مناطق رمادية، مستفيداً من تسامح قانونى أو غضّ طرف سياسى، يجد نفسه الآن أمام بيئة أكثر صرامة، وأكثر تدقيقاً، وأقل استعداداً للفصل بين الخطاب «السياسى» والامتدادات التنظيمية غير الواضحة. هذا التحول يغيّر قواعد اللعبة، حتى لو لم تتغير العناوين الكبرى.
أول انعكاسات ذلك الفقدان يظهر فى المجال المالى، فالتنظيمات العابرة للحدود لا تعيش على تحويلات مباشرة فقط، بل على شبكة علاقات معقّدة تتطلب ثقة قانونية ومصرفية. حين يتراجع هذا المستوى من الثقة، لا تتوقف الموارد فجأة، لكنها تصبح متقطعة، مشروطة، ومحمّلة بالمخاطر. ومع الوقت، يتحول التمويل من عنصر قوة إلى عبء إدارى وأمنى، ويضطر التنظيم إلى تقليص نشاطه بدل توسيعه.
الانعكاس الثانى يتعلق بالخطاب. الإخوان بنوا سرديتهم لسنوات على ثنائية دقيقة: «نحن مضطهدون فى الداخل، لكن العالم يعرف حقيقتنا». تلك الرواية كانت ضرورية للحفاظ على تماسك القواعد، خاصة فى المنفى. ومع تراجع القبول الدولى، تفقد السردية أحد أركانها. لا يعود الخارج شاهداً محايداً أو ملاذاً آمناً، بل يتحول هو الآخر إلى مساحة مساءلة، وهو ما يُربك الخطاب الداخلى ويُضعف قدرته على التعبئة.
أما الانعكاس الثالث، والأكثر حساسية، فيظهر داخل بنية التنظيم نفسه. حين يتقلص الدعم الخارجى، تتصاعد الأسئلة حول القيادة والخيارات السابقة، ويظهر التوتر بين من يطالبون بالمراجعة، ومن يفضّلون الإنكار أو الصمود. التنظيم الذى كان يدير خلافاته تحت سقف واسع من الحركة يجد نفسه مضطراً إلى حسمها فى ظروف ضيقة، وهو ما يعمّق الانقسامات بدل احتوائها.
فى المقابل، يعيد المشهد الاعتبار إلى منطق الدولة الوطنية، فالتنظيم الذى راهن طويلاً على تجاوز الدولة أو الالتفاف عليها عبر الخارج، يكتشف أن غياب الأرض الصلبة يتركه معلقاً بين عواصم لا تمنحه شرعية كاملة، ولا توفر له حماية دائمة. ومع تراجع الرهان الخارجى، تتعزّز فكرة أن الدولة، بما تملكه من مؤسسات وسيادة قانون، تظل الإطار الأكثر استقراراً، حتى فى نظر القوى الدولية نفسها.
المهم هنا أن فقدان الغطاء الدولى لا يُنتج انهياراً درامياً بقدر ما يُنتج تحولاً بطيئاً فى الوظيفة. من تنظيم يسعى للتأثير السياسى، إلى شبكة تدير وجودها بأقل الخسائر، من خطاب موجه للعالم، إلى خطاب داخلى يُبرر الاستمرار، من مشروع يطمح للتمدد، إلى كيان يركّز على البقاء. هذا التحول، وإن بدا أقل إثارة، هو فى الواقع أخطر على المدى الطويل.
فى المحصلة، ما يواجهه الإخوان اليوم ليس قراراً بعينه، بل بيئة دولية لم تعد ترى فيهم رصيداً يمكن الاستثمار فيه. ومع استمرار هذا الاتجاه، يصبح السؤال الحقيقى ليس كيف يرد التنظيم، بل كيف سيتكيّف مع عالم لم يعد يوفر له المساحات التى اعتادها. وفى السياسة، غالباً ما يكون فقدان الغطاء أخطر من المواجهة المباشرة، لأنه يترك التنظيم وحيداً أمام تناقضاته، بلا حلفاء واضحين، وبلا أفق قابل للتوسّع.