السياسات السكانية.. حين تصبح الأسئلة ضرورة!
يُثمّن أى متابع جاد لملف السكان فى مصر صدور رد مؤسسى مفصل من وزارة الصحة والسكان والمجلس القومى للسكان على لسان المتحدث الرسمى لوزارة الصحة الأستاذ الدكتور حسام عبدالغفار على مقال تحليلى نُشر لى فى هذا الشأن.. فالحوار حول قضية بحجم القضية السكانية باعتبارها قضية أمن قومى وتنمية مستدامة لا يجب أن يُفهم باعتباره تشكيكاً أو خصومة، بل ممارسة صحية لازمة لتقويم المسار وتصحيح الزوايا.
ومع كامل الاحترام لما ورد فى الرد من بيانات وجهود، يبقى من حق الرأى العام -بل ومن واجبى نحوه أيضاً- أن يطرح تساؤلات مشروعة تتجاوز مجرد تأكيد وجود الاستراتيجيات، إلى قياس فاعليتها وتأثيرها الفعلى على الأرض.
أول هذه التساؤلات يتعلق بالفعل التنفيذى نفسه.. فما هى الأنشطة المحددة التى جرت خلال العام الماضى مثلاً فى إطار الاستراتيجية القومية للسكان؟.
كم برنامجاً ميدانياً مستداماً نُفذ؟ وكم محافظة شهدت تدخلات نوعية منتظمة تتجاوز الحملات الموسمية؟.
فوجود استراتيجية معتمدة ومتابعة مؤسسياً أمر بالغ الأهمية، لكن الأهم هو تحويلها إلى ممارسات يمكن رصد أثرها المجتمعى والسلوكى بشكل واضح.
التساؤل الثانى يرتبط بالأرقام التى استشهد بها باعتبارها دليلاً على نجاح السياسات.. فبيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء تشير بالفعل إلى انخفاض عدد المواليد خلال عام 2024، لكن هذه البيانات نفسها تشير فى الوقت نفسه إلى انخفاض ملحوظ فى معدلات الزواج.
فطبقاً لنفس التقرير المشار إليه انخفض عدد عقود الزواج من نحو 961 ألف عقد زواج عام 2023 إلى حوالى 936 ألف عقد زواج عام 2024، بنسبة تراجع تقارب 2.5٪ خلال عام واحد فقط. كما تراجع المعدل الخام للزواج من 9.1 فى الألف عام 2023 إلى 8.8 فى الألف عام 2024.
وهنا يفرض السؤال نفسه بوضوح.. هل الانخفاض فى عدد المواليد نابع من قناعة مجتمعية راسخة وتغيير سلوكى مدفوع بسياسات تنظيم الأسرة؟ أم أنه -على الأقل جزئياً- انعكاس طبيعى لانخفاض معدلات الزواج ذاته نتيجة ظروف اقتصادية واجتماعية ضاغطة؟.. وما دلالة هذه المؤشرات حين تُقرأ مجتمعة لا مجتزأة؟
أما التساؤل الثالث، فيتعلق بمعدل الإنجاب الكلى نفسه.. فوفقاً لبيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ معدل الإنجاب الكلى عام 2023 نحو 2.54 طفل لكل سيدة، ثم انخفض فى عام 2024 إلى حوالى 2.41 طفل لكل سيدة.. وهو اتجاه تنازلى واضح، لكنه يظل رقماً إحصائياً لا يفسر بذاته مصدر هذا الانخفاض.. هل هو نتاج تغيير ثقافى وسلوكى طويل الأمد؟ أم نتيجة طبيعية لتأخر الزواج وتراجع القدرة الاقتصادية على الإنجاب؟.
التساؤل الرابع، وهو الأكثر جوهرية، يتعلق بتقييم الخطة نفسها.. فما هى نسبة تحقيق الأهداف المعلنة فى الاستراتيجية القومية للسكان حتى الآن؟ ما الذى تحقق فعلياً؟ وما الذى لم يتحقق؟ وما أسباب التعثر إن وجد؟.
فأى سياسة عامة -مهما بلغت دقتها- لا تقاس بجودة صياغتها، بل بمؤشرات إنجازها وشفافية تقييمها.
أما التساؤل الخامس، فيخص الخطاب المجتمعى نفسه.. هل وصلت رسالة السياسة السكانية بالفعل إلى المواطن البسيط فى القرى والنجوع؟ هل يشعر أن الخطاب مستقر ومفهوم؟.
ويبقى سؤال أخير لا يقل أهمية.. إذا كانت القضية السكانية تدار باعتبارها ملفاً مستقراً ويحقق تقدماً ملموساً، فلماذا لا تنشر تقارير تقييم دورية مبسطة للرأى العام، توضح بوضوح ما تحقق وما لم يتحقق، بدل أن يظل النقاش حبيس الردود المتبادلة؟.
إن طرح هذه الأسئلة لا ينكر الجهد، ولا يقلل من العمل المؤسسى.. لكنه يؤكد حقيقة أساسية.. أن النجاح الحقيقى لأى سياسة عامة لا يقاس بالدفاع عنها، بل بقدرتها على الإجابة الهادئة عن الأسئلة الصعبة.
وسيظل ملف السكان بحكم طبيعته مفتوحاً للنقاش، لا لأنه مرتبك، بل لأنه شديد التعقيد، ولا يدار بالصمت أو بالأرقام المجردة وحدها، وإنما بالحوار المستمر، والشفافية، والقدرة على مراجعة الذات قبل مطالبة المجتمع بتغيير سلوكه.. أو هكذا أعتقد..!