كتابة التاريخ وإنجاب غير مشروط

أمينة خيرى

أمينة خيرى

كاتب صحفي

15 عاماً، وتحديات اقتصادية كبرى، وأوضاع إقليمية خطيرة، وتحولات غير مسبوقة فى الكوكب تنذر بنظام أو بالأحرى تركيبة دولية جديدة مربكة معقدة، تتطلب الحذر، وتستوجب التحصين، ورغم ذلك هناك من يصرون على «جرجرتنا» إلى ما قبل النقطة صفر. والنتيجة في كل مرة تكون صفر فائدة، صفر إبداع، صفر إضافة لها معنى. فقط، استنفاد الوقت والجهد والأعصاب.


ثورة أو أحداث أو وقائع 25 يناير 2011 مضى عليها 15 عاماً. وسواء كانت احتجاجات شعبية حقيقية، افتأتت عليها فئة ضالة، أو مؤامرة مدبرة وجدت لدى جموع الغاضبين والمنهكين صدى، أو ثورة تحولت مؤامرة، ما الفائدة من أن يصر البعض على إلهاء الناس في مثل هذا الوقت من كل عام في هذا الحديث المستفز، لا سيما وأننا جميعاً لا نملك رفاهية إهدار الوقت فى جدال لن يسفر عن حسم الأمر؟!


بالطبع، توصيفها في كتب التاريخ مهم. وتوثيقها توثيقاً علمياً واجب. وتحليلها من قبَل مؤرخين ومتخصصين ليس رفاهية. ولكن، «كيف يُكتب التاريخ؟ ومن يكتبه؟»
هذا عنوان مقال بديع في «ذو كونفرسيشين» (موقع يجمع بين المقالات الصحفية والتحليل القائم على البحث). ورغم أن المقال موجَّه للأطفال، أو للكبار لمساعدتهم على الإجابة عن أسئلة الصغار حول من يكتب التاريخ؟ وكيف، إلا أنه مفيد جداً.


كاتبة المقال ماريون لوفلر، الأستاذة في جامعة كارديف البريطانية، تقول إن عوامل كثيرة تؤثر على نظرتنا للعالم، منها تعليمنا، وأصولنا، وجنسنا، وثقافتنا، وثروتنا. وكل ما سبق كان يؤثر على كيفية كتابة المؤرخين لتاريخ الشعوب والمجتمعات. وتضيف أنه قبل قرون كان رجال من دول بعينها يكتبون تاريخ الدول الأخرى، لكن تغير الوضع فى القرن العشرين، وأصبح مؤرخون يكتبون تاريخ دولهم. المهم هو أن كتابة التاريخ لها أصول، وتنطلق إما من نظرية يحاول المؤرخ إثباتها فى ضوء سرد الوقائع والأحداث، أو يتطرقون إلى أشخاص وأحداث أثرت فى الدول والشعوب، ويتحرون عنها من مصادر متعددة، وهلم جرا.
على أية حال، التاريخ ليس جامداً، بل مرن، قابل للتحديث بمرور الزمن، واختلاف الرؤى، وانكشاف ما وراء الأحداث. وتقول الكاتبة: «مهما بلغت روعة سرد الماضى وتوثيقه، فإنه يتأثر حتماً بخلفية المؤرخ وهويته. وقد يطرح الجيل القادم أسئلة مختلفة، ويبحث عن مصادر مختلفة، ويكتب بطريقة مختلفة».
ونعود إلى موسم العراك حول يناير 2011، ولنعتبر هذه دعوة إلى الهدوء والتروى والحكمة. لا تأكيد أحدهم أنها مؤامرة سيجعلها مؤامرة بالعافية، ولا إصرار آخر على أنها ثورة سيكتبها في باب الثورات في كتب التاريخ. ليس هكذا يُكتَب التاريخ!


خذ عندك مثلاً، عزيزي القارئ، العملية التي قامت بها «حماس» فى السابع من أكتوبر 2023، قال عنها البعض فى حينها إنها ستُكتب فى التاريخ باعتبارها العمل الذى أعاد وضع القضية الفلسطينية على رأس اهتمامات العالم، وبداية حل المعضلة المعقدة، وعودة الحق لأصحابه. ورآها آخرون بداية تبخر ما تبقى من القضية الفلسطينية في هواء التهور وقصَر النظر والاعتماد على تكهنات بردود فعل العالم قائمة على التمنى لا الحقيقة.
هل يجدر بنا الآن كتابة ما جرى باعتباره قبلة حياة، أم فصل أجهزة التنفس عن القضية؟!


قضايا لا حصر لها تحيط بنا، ومنها ما يتطلب اهتماماً وتدخلاً فوريين. من يطالع أخبار الحوادث يلاحظ عدداً متصاعداً من الضحايا الأطفال الذين لقوا حتفهم، أو أصيبوا، وتضرروا على أيدى ذويهم. الجملة نفسها مربكة. كيف لطفل أو طفلة أن يموت أو يصاب أو يتألم على يد من يفترض أنه حاميه، وراعيه، وحارسه، وننى عينه، وفلذة كبده؟!


مقتل طفلة إثر تعدى والدها عليها بالضرب فى بنى سويف. أب متهم بقتل ابنته (عامان ونصف) بالضرب والتعذيب بعد الاعتداء عليها جنسياً في سيوة. وفاة شابة في العشرين من عمرها جوعاً بعد ما حرمها والدها من تناول الطعام لأنها زارت والدتها. أم تقتل أبناءها الثلاثة خنقاً في القليوبية. وفاة خمسة أطفال أعمارهم تتراوح بين 8 و15 عاماً اختناقاً بالغاز في الشقة التي كانوا يقيمون فيها وحدهم بعد سفر الأب والأم للخارج للعمل!


المؤكد أن الغالبية من الأهل ما زالوا محتفظين بسمات الأبوة والأمومة الطبيعية، ولكن هذا النوع، وهذه التفاصيل من الحوادث، ألا يستحق حصراً، ودراسة، وتحليلاً، ربما تؤدى إلى إنقاذ أرواح صغيرة قبل أن تُزهق؟ وربما تصل رسالة إلى الناس بأن الحكاية ليست استقتالاً من أجل الزواج والإنجاب «وخلاص»، وربما الزوجان ليسا مؤهلين أو قادرين على المسئولية؟


وللعلم، هذه الجيوش الجرارة من الأطفال العاملين في نظافة الشوارع، والمحلات، والتسول، وأعمال البناء، والحدائق وغيرها دليل دامغ آخر على أن الإنجاب غير مشروط أو مقيد بالقدرة النفسية أو العصبية أو المادية، أو حتى الرغبة في الإنجاب. كما أن الفكرة أصلاً لا تخضع للتفكير أو النقاش قبل قرار ضخ إنسان إلى الدنيا، ولكنه تحصيل حاصل.