«معبر رفح» الواقع والمأمول

جيهان فوزى

جيهان فوزى

كاتب صحفي

كان من المفترض أن يفتح معبر رفح، الذى يعتبر شريان الحياة لسكان قطاع غزة، فى المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار الذى دخل حيز التنفيذ فى شهر أكتوبر 2025، وذلك بعد تسليم آخر رهينة إسرائيلية على قيد الحياة. غير أن رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو وحكومته المتطرفة أصروا على عدم فتحه، بحجة أن هناك رفات لأسير إسرائيلى ما زالت فى غزة. من المبكر معرفة كيفية العمل فى المعبر بعد الإعلان عن فتحه، فلا يزال نتنياهو يماطل فى حسم الجدل الدائر حول كيفية تشغيله والتعامل مع المسافرين من كلا الاتجاهين، ومن الجهات التى ستتولى الإشراف عليه، رغم إعلان الدكتور على شعث، رئيس وزراء حكومة التكنوقراط لإدارة قطاع غزة فى المرحلة الانتقالية، بأن المعبر سيتم فتحه الأسبوع المقبل، الأمر الذى يثير الكثير من الشكوك والتحديات حول جدية فتحه قريباً.


هناك سيناريوهات عدة محتملة تدور حول معبر رفح، الذى لم يعد تحت الإشراف الفلسطينى المستقل، وأصبح مقيداً بالعديد من العوائق والعقبات، أولها: أن يتم فتح كامل للمعبر فى كلا الاتجاهين ولكن تحت إشراف إسرائيلى، ويشمل هذا السيناريو إعادة فتح المعبر للحركة التجارية والإنسانية، مع سيطرة الجيش الإسرائيلى على التدفق فى الاتجاهين (دخول وخروج).

وهذا يعنى فحوصات أمنية إضافية من قبل الشين بيت (جهاز الأمن الإسرائيلى الداخلى) وإقامة نقاط تفتيش قريبة من المعبر، وتشير التقديرات إلى أن الفتح قد يحدث الأسبوع المقبل، مع دور للسلطة الفلسطينية أو الحكومة المؤقتة فى غزة، ومع ذلك، قد يقيد عدد الداخلين إلى غزة لأسباب أمنية، مما يجعل الفتح جزئياً فى الواقع.

السيناريو الثانى أن يكون فتحاً مشروطاً بإعادة جثة الرهينة الأخير أو شروط أمنية أخرى، إذ إن نتنياهو يربط فتح المعبر بإعادة جثة الرهينة «ران غيلى» آخر أسير لم يعد جثمانه، وهذا السيناريو يتبناه اليمين المتطرف فى الحكومة ونتنياهو نفسه، لكنه يعتمد على اتفاقات أمريكية - إسرائيلية، حيث يمنع الفتح حتى تحقيق هذه الشروط، على الرغم من تصريحات صدرت مؤخراً عن مسئولين أمريكيين بأن استعادة الجثة المفقودة لن تكون عائقاً أمام فتح المعبر، مما يشكل معضلة سياسية أمام نتنياهو وما يريد تصديره للجمهور الإسرائيلى فى الداخل.

كما يتضمن هذا السيناريو رفض الاعتراف بجوازات سفر فلسطينية، أو منع الغزاويين إلا فى حالات إنسانية محدودة، مما يجعل المعبر يعمل كطريق واحد للخروج فقط. والسيناريو المحتمل الثالث يقضى إلى فتح جزئى أو مؤقت، كجزء من اتفاق وقف إطلاق النار، فقد يفتح المعبر كجزء من خطط إعادة الإعمار فى غزة، مثل بناء «مدينة ذكية» فى رفح مع شبكات ذكاء اصطناعى ومساحات خضراء، لكن بدون عودة كاملة للفلسطينيين، وهذا يعتمد على مناقشات أمريكية - إسرائيلية، بما فى ذلك لقاءات نتنياهو مع مبعوثين أمريكيين مثل كوشنر وويتكوف، ومع ذلك يظل الفتح عرضة للعقبات السياسية، ومعارضة وزراء إسرائيليين مثل «سموترتش وبن غفير» وغيرهما، أما السيناريو الرابع فسيكون فتح المعبر بشكل مستقل عن الشروط الإسرائيلية، وهو السيناريو الأقل ترجيحاً، إذ يدعو بعض المسئولين الفلسطينيين إلى فتح كامل دون تدخل إسرائيلى، لكن الواقع يشير إلى أن أى فتح يتطلب موافقة إسرائيلية أو أمريكية بسبب السيطرة على الحدود.


قضية فتح المعبر قضية شائكة كغيره من بنود الاتفاق، فى ظل وضع إنسانى كارثى يعيشه سكان قطاع غزة حتى الآن، رغم وقف إطلاق النار الذى دخل حيز التنفيذ منذ أشهر، فدخول فصل الشتاء دون أى مقومات للحياة لدى السكان والأمطار الغزيرة والفيضانات جعلت آلاف الخيام غير صالحة للسكن، وأثرت على جودة الحياة المفقودة أصلاً لأكثر من 800 ألف شخص (حوالى 40% من السكان) الذين يعانون من النزوح المتكرر، وحولت حياة أكثر من 1.9 مليون فلسطينى إلى جحيم حقيقى، يعيشون فى مخيمات مؤقتة أو مبانٍ مدمرة، معرضين للبرد الشديد والأمراض، إذ توفى على أثرها أكثر من 20 بين طفل ورضيع على الأقل جراء نقص الإيواء المناسب والنقص الشديد فى الأدوية والمعدات والخدمات الطبية.


فى ظل هذا الواقع المرير الذى يعانى منه سكان قطاع غزة، يدور الحديث عن فتح المعبر وإعادة الإعمار، وغزة الجديدة، غير أن أياً من ذلك سيظل مجرد تصريحات وحبر على ورق، ما لم تتدخل الإدارة الأمريكية بحزم للإسراع فى آلية التنفيذ، فما زالت الولايات المتحدة تتعامل ببطء مع ملف غزة، وتواجه انتقادات شديدة بسبب عدم التدخل الفعال لضمان دخول المساعدات، وعلى الرغم من الالتزام فى الاتفاق بإعادة فتح معبر رفح، إلا أنه مغلق منذ ثلاثة أشهر، وإسرائيل تمنع دخول آلاف الشاحنات المحملة بالخيام والمساعدات الشتوية لـ1.3 مليون شخص، والتى توجد على بعد أمتار من الحدود. الولايات المتحدة متهمة بدعم إسرائيل فى هذا التأخير، لإجبار الفلسطينيين على «الهجرة الطوعية» عند فتح المعبر، كما أن إسرائيل تحول دون دخول بعض العاملين فى المنظمات الإنسانية مثل أطباء بلا حدود. وإذا استمر الوضع بهذه الوتيرة وبدون تدخل أمريكى قوى، فقد يطول الأمر، مما يعزز من الخطط الإسرائيلية لإعادة توطين أو نقل وتهجير الفلسطينيين، وهو ما تريده إسرائيل ونتنياهو على نحو خاص.