وليد خيري يكتب: إشعاع المعرفة وأناقة التمرد «أدب هدى النعيمي من نواة الفيزياء إلى سديم السرد»

كتب: editor

وليد خيري يكتب: إشعاع المعرفة وأناقة التمرد «أدب هدى النعيمي من نواة الفيزياء إلى سديم السرد»

وليد خيري يكتب: إشعاع المعرفة وأناقة التمرد «أدب هدى النعيمي من نواة الفيزياء إلى سديم السرد»

تعتبر مسيرة الأديبة القطرية الدكتورة هدى النعيمي نموذجا فريدا لتلاقح الحقول المعرفية، حيث يتقاطع صرامة العلم ودقته مع رحابة الفن وعمق الفلسفة. إن تتويجها مؤخرا بجائزة كتارا للرواية العربية عن روايتها «زعفرانة» لم يكن مجرد إقرار بجمالية العمل، بل كان اعترافاً بانتصار مشروع نقدي متكامل بدأته بتعمق لافت في فن القصة القصيرة، عبر مجموعاتها الباكرة مثل «المكحلة» و«أنثى» و«أباطيل». هذا الفوز يمثل ذروة لمشروع فكري يسعى إلى تشريح الواقع الاجتماعي والتاريخي برؤية لا تكتفي بالوصف، بل تتجاوزه إلى التحليل المنهجي والتفكيك الفلسفي للقيود.

إن تحول النعيمي من القالب القصير (القصة) إلى القالب الطويل (الرواية) ليس مجرد تغيير في الأداة، بل هو توسيع لمدار الاهتمام المعرفي الذي يشغلها: البحث عن سلطان الحقيقة بعيداً عن هيمنة الخطاب الذكوري. فقد أصرت الكاتبة على الحفر في فن التكثيف القصصي، مُدركة أن البوح الصادم والكاشف قد يتجسد في ومضة القصة بحدة أشد قوة. وإذا كانت مجموعتها «أباطيل» قد كرست نفسها لتمزيق الأنساق الذكورية بجرأة تخييلية، فإن روايتها الفائزة «زعفرانة» تحمل إشارة إلى محاولة إعادة تموضع الهوية الأنثوية ضمن بنية السلطة ذاتها، وتقديم نقدٍ لها من الداخل.

يُعد المرجع العلمي للنعيمي - الحاصلة على الماجستير في الفيزياء النووية والدكتوراه في الفيزياء الحيوية الطبية - حجر الزاوية في بناء خطابها السردي. لقد جلبت معها إلى عالم الأدب رؤية منهجية واضحة تستهدف تحليل الظاهرة الأدبية العربية برباطها الوثيق بالواقع. هذا التفاعل الخلاق بين المنظور العلمي والعمق الأدبي هو ما يمنح نصوصها ذلك البُعد التشريحي البارد والمحكم، الذي يخدم بامتياز قضيتها الجوهرية: التفتيش عن الحقيقة خارج أطر السرد التقليدي الذي أسسته الكتابة الذكورية.

بناء الذات: قلب الطاولة على السرد الذكوري

تتمحور النواة الفلسفية لغالبية أعمال هدى النعيمي حول مفهوم يمكن تلخيصه بالهيمنة التخيلية النسوية. هذا الهم يتجاوز مجرد سرد حكايات عن علاقات الرجل والمرأة إلى مستوى النقد الفلسفي للأنساق المعرفية والسردية التي تسيطر على الوجود العربي. تدرك النعيمي أن المرأة تعيش في عالمٍ مهيمنٍ بأفكار ذكورية مترسخة، ولذا فإن المقاومة الثقافية يجب أن تتجاوز مجرد التخندق في الأطر التخييلية المألوفة.

هنا يظهر مفهوم الهيمنة التخيلية كاستيلاء رمزي على أدوات السرد ذاتها. فالكاتبة لا تستخدم الخيال كوسيلة للهروب من الواقع، بل كجبهة قتال مفتوحة مليئة بالتحدي والمواجهة، لفرض تمثيلات جديدة تبني عوالمها الخاصة وترسم علاقاتها وفق إحساس واع بالقضايا المثارة. إنها محاولة لإعادة تشكيل الخريطة المعرفية باللغة.

تُعد السخرية إحدى أبرز الأدوات التي تعتمد عليها النعيمي لتحقيق هذا الهدف. تكتب بلغة قصصية مشبعة بحس الأنثى الساخر، مُتخطية بذلك كل السقوف والأفق المشروعة لتخط بقلم المرأة الواعية والمثقفة. السخرية في هذا السياق ليست مجرد حلية، بل هي آلية فلسفية لتجريد المركزيات القمعية من قدسيتها المزعومة. عندما يصبح الواقع صادماً ومثقلاً بالهزائم التاريخية - كما هو الحال في العالم العربي - فإن اللغة الأكثر فضحاً وجمالاً هي التي تلجأ إلى ثوب السخرية والغرائبية لتكشف المسكوت عنه، وتحطم المركزيات السائدة.

يتجلى هذا الهم بوضوح في تحويرها السرديات الكبرى، كما في قصة «بعد الألفية الأولى». تقوم الكاتبة بقلب موقع شهريار وشهرزاد، فتصبح شهرزاد هي الملكة التي استكملت حكاياتها وأخذت النساء زمام الحكم. ومع ذلك، يظهر وعي ناضج بمأزق التحرر، حيث يظل شهريار المقيد منتصراً في النهاية برفضه للطلاق. هذا المشهد يجسد رؤية مفادها أن الأصعب ليس الثورة في حد ذاتها، بل الحفاظ عليها واستدامتها. إن الهيمنة الذكورية ما تزال كامنة في اللاوعي الجمعي، مما يجعل التحرر جزئياً وغير مكتمل. إنها رؤية تتجه نحو الطرح ما بعد النسوي، الذي يدرك أن التحرر ليس مجرد إعلان، بل نظام تفكير واستراتيجيات دائمة.

الخيال كعدسة: فك شفرات الواقع بأناقة

لإنجاز هذه الهيمنة التخيلية، تعتمد هدى النعيمي على الفانتازيا كأداة معرفية، وليست مجرد ترف. فنصوصها تزخر بالحضور الفنتازي الذي يكشف طبيعة هذا العالم ويحاول اتخاذ موقف نقدي منه. وتتجسد العلاقة بين الفانتازيا والكشف في أدبها عبر مفهوم الكشف بواسطة اختراع، حيث يطرح العمل الأدبي تكويناً غير مسبوق، يؤدي إلى كشفٍ في بنيته الموضوعية وإشاراته الرمزية.

تعمل الكاتبة على استخدام الشعرية التي قوامها الانزياح لفك شفرات الواقع. فالانحراف المتعمَّد للنص عن مساره العادي هو الآلية التي يتم بها تفكيك الأباطيل الاجتماعية والسياسية. تستخدم النعيمي أسلوباً سردياً يلامس آلاف الخيوط الممتدة بين النص والقارئ، ليخوض في قضايا شائكة بأسلوب ساخر وعجيب وواقعي في آن واحد.

هذا التكثيف الفني يبدأ من العنونة. فالعنوان «أباطيل» هو عتبة الدهشة والإغواء التي تبث إشعاعات دلالية تقول عبر الصمت، لتزيل الحجاب عن الواقع الصادم. العنوان ليس مجرد هوية اسمية، بل هو نص موازٍ وهامش فاعل في تشكيل نواة السرد. إنه يجمع بين معاني الظهور والاعتراض، وهذا الاعتراض الدلالي هو فعل نقدي يُجبر المتلقي على تأويل المعنى الهارب إلى فضاءات التاريخ والراهن.

من مختبر الفيزياء إلى مشرحة السرد

لا يمكن فصل الخلفية العلمية المتميزة لهدى النعيمي (الفيزياء النووية والفيزياء الحيوية الطبية) عن منهجها التحليلي البارد والدقيق الذي تطبقه على الأنساق الاجتماعية والوجودية.

إن دراستها للفيزياء النووية تعني التعمق في القوى الكامنة الهائلة التي تحكم استقرار المادة وانحلالها. ينعكس هذا أدبياً في قدرتها على رصد الديناميكيات الميكروسكوبية للسلطة والقيود الاجتماعية التي تبدو صغيرة أو غير مرئية، لكنها تحمل طاقة تدميرية هائلة. فأدبها لا يصف القيد بقدر ما يُشرح طاقته الكامنة. نرى ذلك في قصة «السيدة الجليلة»، حيث قيد الزعيم الراحل «ملتصق دوماً بجلدها لا ينتزعه الشمع الساخن». هذا القيد هو طاقة كامنة رمزية للسلطة تستمر بالعمل حتى بعد فناء مصدرها المادي.

يُترجم تخصصها في الفيزياء الحيوية الطبية إلى منهجية التشريح الأدبي الدقيق. فالبيوفيزياء تحلل الأنظمة الحية بدقة متناهية، وهذا ما تفعله النعيمي بالوعي الأنثوي والاجتماعي. هي تتعامل مع الجسد والهوية كنسق حيوي يمكن تفكيكه وتحليله تحت مجهر النقد. لا تكتفي بوصف الانفعالات، بل تقوم بـ تشريح الدوافع والآليات التي تتحول بها الذات إلى ملكية أو وظيفة اجتماعية، كما يتضح في قصة «أنثى».

الأهم هو التعامل مع مفاهيم الزمن والمكان. بينما تتعامل الفيزياء مع الزمكان كوحدة قابلة للقياس، فإن النعيمي في سردها تخرق هذا التسلسل المنطقي. ففي قصة «شخبطة على جدار التاريخ»، تدمج أزمنة وعصوراً متباعدة (من بلقيس إلى قصف بغداد) في بنية قصصية مكثفة. هذا الخرق ليس فوضوياً، بل هو محاولة مُحكمة لتفكيك الزمكان التاريخي، وكأنه تطبيق لمبدأ كوانتمي سردي حيث تتجاور حقائق متباعدة (الهزائم) في نفس اللحظة السردية. لقد منحت الخلفية العلمية النعيمي رؤية واضحة تستهدف تحليل الواقع العبثي المتهالك بمنهج دقيق.

هدم الأصنام: التراث كسخرية لا كقداسة

تستخدم هدى النعيمي التراث كمرجع مفتوح تستلهمه وتحاوره وتحوله إلى سخرية لاذعة. فالتناص عندها ليس مجرد استحضار، بل هو نفي كلي أو نفي متوازٍ للمرجع الأصلي بهدف تهشيم سلطته المرجعية. إن الغاية من هذا التلاعب بالأزمنة والرموز هي فضح الوجع العربي والعبثية التاريخية.

تعتبر قصة «شخبطة على جدار التاريخ» صورة بانورامية للوجع العربي في قالب عجيب. تجمع القصة شخصيات تاريخية ودينية وفكرية متباينة (بلقيس وسليمان، الهدهد، المنذر النعماني، طه حسين، الجاحظ، ابن رشد، الحلاج، فرج فودة). هذه الشخصيات تحضر بأصواتها لتُسمعنا صوت الخيبات الذي يزفه التاريخ إلينا، لكي نشعر بمرارة السرد وهو يعانق السخرية والعجيب.

إن المشاهد المتوالية في القصة ترسم تاريخنا الغابر بتناقضاته ووحدة خرابه. فالساردة تمتطي البراق وترى جيوش الفرنجة تجتاح الأندلس، وخيول نابليون تدق ساحة الأزهر، والطائرات الأمريكية تقصف بغداد، وجنازة فرج فودة تجوب الشوارع أمام بيتها. هذا التوحيد للخراب يخدم الهم المهيمن بالقول إن الهزيمة والقمع ليسا أحداثاً منفصلة، بل نسقا متصلا.

يتضح رمز القمع الفكري والديني في وصف الدينار المنقوش عليه ابن رشد «يبكي ألم محرقة كتبه»، وعلى الوجه الآخر «يصعد الحلاج إلى المقصلة». هذا الربط بين رموز التنوير القديم ومصيرهم المأساوي وبين الاغتيال السياسي الحديث (فرج فودة) هو محاججة غير مباشرة بأن الأباطيل التي تكشفها الكاتبة متأصلة في لاوعي التاريخ العربي. فليست الشخبطة في القصة، بل هي في تاريخنا المخربش الذي يطرح علامات استفهام كثيرة.

تستخدم النعيمي التحوير الساخر حتى في تحويل الملاحم الذكورية الكبرى. ففي قصة «دامس والعزباء»، تحول ملحمة «داحس والغبراء» التاريخية إلى صراع ساخر يدور بين قط وكلبة. هذا التلاعب ينزع القداسة عن العبث الذكوري في التاريخ، حيث تحل الكآبة الأبدية لـ«دامس» محل «لوثة الأزمري السرمدية». إن هذا التكثيف الفنتازي يعمل على تجريد الصراع من أهميته العسكرية والتاريخية ليصبح مجرد «أباطيل»، وهو ما يفسر اختيارها لهذا المصطلح كعنوان للمجموعة.

سرديات القيد والتحرر: تفكيك الجسد والهوية

تغوص هدى النعيمي في التشريح العميق للهوية الأنثوية والجسد المقيد من خلال قصصها الثلاث الأساسية: «أنثى»، «المكحلة»، و«السيدة الجليلة». تكشف هذه النصوص عن الهم المهيمن على مستوى التجربة الفردية.

في قصة «أنثى»، تستعرض الكاتبة بعمق فلسفي قضية استلاب الهوية. تشكو الراوية فقدان اسمها الجميل «مي» واستبداله بألقاب اجتماعية جامدة مثل «مدام» أو «أم ناصر». هذا التحول ليس مجرد لقب، بل هو ذوبان للذات في الإطار الزوجي والوظيفي المرتبط بالرجل أو الابن.

يصل الصراع إلى قمته عندما يضحك الزوج ويسميها «my». تدرك الراوية بوعي مؤلم أن هذه الكلمة الإنجليزية تعني ملكية الأشياء. تتساءل: «هل يقصد الرجل أن يستطيع أن يكسرني إذا أراد، أو أن يحيلني صفراً إذا شاء؟» يضع هذا التساؤل القارئ أمام تحليل بيوفيزيائي للهوية، حيث تتحول الذات إلى كائن يمكن تفكيكه أو تدميره إلى «صفر»، مما يعكس غياب الوجود الحر.

لحظة التحرر تأتي بالوعي، عندما تسمع الراوية قصيدة نزار قباني التي تعلن: «أنا أنثى، أنا أنثى». ينتهي المشهد بإزاحة الستائر القاسية والنظر إلى الحديقة حيث «ألف عصفور ينقر شجرة التفاح». يجسد هذا المشهد انتصار الوعي النسوي المعلن وحتمية التمرد على القيود الأبوية التي مثلتها الستائر القاسية.

في قصة «المكحلة»، يتحول الشيء الصغير (المكحلة) إلى رمز معرفي بالغ التعقيد. المكحلة هي عدسة الإدراك التي تسمح للراوية بأن ترى الرجل - الذي هو «وطنها الصغير» - ككائن فوق الخطأ والزلل. هي أداة الأوهام الجميلة الضرورية لاستمرار العلاقة التي تتنافى مع الواقع.

عندما تسرق الشقراء المكحلة وتلقي بها في النهر البارد، فإنها تدمّر أداة الرؤية المثالية للراوية. فقدان المكحلة يعني فقدان القدرة على رؤية الرجل كما كان. تدرك الراوية أن العلاقة كاذبة وتتطلب شرطا بصريا (المكحلة) للحفاظ على وهم كمال الرجل.

القرار النهائي هو العودة إلى «وطنها الكبير» (الأم والأصل) ولكن بدون المكحلة. يمثل هذا الرحيل المنهجي التحرر المعرفي. إذ تعلن الكاتبة أن التحرر النسوي يبدأ بفعل الكشف المعرفي (إزالة عدسة الأوهام)، حتى لو كانت تكلفة هذا التحرر جمالية (فقدان القدرة على الاستمتاع بالوهم الجميل).

تقدم قصة «السيدة الجليلة» تحليلاً لمفاهيم القيد الرمزي والسلطة الموروثة. السيدة الجليلة هي أرملة زعيم راحل، عاشت لعشرين عاماً سجينة لرمزه ولقبه، وهي ترتدي ثوب الحداد الأسود. هي لا تقف إلا «كالمسمار أمام الجماهير» ليمارسوا طقوسهم السنوية.

هذا القيد هو قيد طاقي غير مادي؛ فالزعيم لم يمت، بل صار «الميراث الحي» الذي أعطاه لشعبه ليبقى حياً. قيده «ملتصق بجلدها لا ينتزعه الشمع الساخن».

بالرغم من محاولتها التحرر من هذا السجن الرمزي من خلال علاقة حب مع الطبيب ياسر وعزمها على خلع السواد وارتداء ثوب أبيض، إلا أنها تستسلم في اللحظة الأخيرة. تختار سجن العز والتبجيل على حرية الحب العادي. يبرز هذا المشهد أن التحرر ليس مجرد رغبة ذاتية، بل صراع ضد نسق اجتماعي كامل (الطقوس والذاكرة الجماعية) يفرض الاستسلام، مما يوضح أن الأباطيل تتجسد في أعلى درجاتها كقيد رمزي.

قناع الحيوان: سخرية تكشف عري الوجود

تستعين هدى النعيمي بالحيوانات كأقنعة فانتازية لتمرير نقدها الفلسفي للوجود العربي والمأزق الحضاري، كما يتضح في قصص من مجموعة «كليلة وهدى» (بتحوير ساخر لـ «كليلة ودمنة»).

تصف قصة «الفأر الذي لم تقتله الجبنة» فأراً يقرض أطراف الكتب في مكتبة مثقف ذكر. يظهر هذا الفأر ذكاء فطريا يفوق وعي المثقف نفسه. يعرف الفأر الفرق بين «قطعة الجبن الحرة» وتلك المرتبطة بـ«المصيدة» التي ستقطع رأسه. يرمز هذا الفأر إلى القارئ أو الكائن الوجودي الذي يمتلك الذكاء في التفريق بين الوهم (الجبنة المسمومة) والحقيقة (الجبنة الحرة)، وبين الخطر والحرية. القصة نقد ساخر للمثقف الذكر الذي يمتلك مكتبة ضخمة، لكنه عاجز عن رصد الحركة الوجودية الذكية للفأر. هذا الفشل في الرصد الفطري هو في حد ذاته إبطال للحكمة الأكاديمية الجامدة.

تصف قصة «السلحفاة المقلوبة» كيف أن الراوية اكتسبت صفة البطء من هديتها السلحفاة. وعندما تُقلب السلحفاة على ظهرها، تبدأ «عراكاً مرهقاً مع نفسها» للعودة إلى وضعها الطبيعي، ولكنها تستسلم للنوم في النهاية، ثم تهرب. تمثل السلحفاة المقلوبة الوعي الأنثوي المأسور في وضع وجودي شاذ (على ظهرها). محاولة العودة إلى الوضع الطبيعي هي عملية بطيئة ومجهدة. يجسد هذا الهم المهيمن: القيد الاجتماعي يجعل من أبسط فعل وجودي (تعديل وضعية الجسد) صراعاً عنيفاً. الهروب يصبح الخيار النهائي للتحرر.

في قصة «كبد رطبة»، تنتقد الكاتبة الجار الذي يطعم الحمام بحجة نيل الأجر (في كل كبد رطبة أجر)، لكن هذا الفعل العبثي يتسبب في أذى جاره عبر القاذورات والزواحف. تكشف هذه القصة عن النفاق الاجتماعي والسذاجة المبررة بالفضيلة. تأتي الأباطيل أحياناً بثياب التقوى والخيرية لترتكب القسوة وتؤدي إلى التدهور الاجتماعي. يتوافق هذا مع رؤية النعيمي بأن الهم المهيمن يتسلل إلى الوعي عبر أقنعة تبدو حميدة ظاهرياً.

إن المشروع الأدبي لهدى النعيمي يتجاوز كونه أدبا نسويا تقليديا، ليصبح فعلا فلسفيا ومعرفيا عميقا. فمدار اهتمامها المهيمن يتشكل حول البحث المنهجي عن جوهر الحقيقة في عالم تحكمه الأباطيل المتجسدة في الأنساق الذكورية التاريخية والاجتماعية.

لقد استلهمت النعيمي المنهج العلمي (الفيزياء) كمرجعية فلسفية لفك شفرات هذا الواقع. فالتشريح الدقيق للجسد والهوية (الفيزياء الحيوية) والتعامل مع التاريخ كأنظمة طاقية (الفيزياء النووية) منح خطابها برودة تحليلية وصدامية لا تهدف إلى تزيين الواقع، بل إلى كشفه. لقد استطاع عقل نسوي دخول هذه العوالم بريشة فنان يَعِي ما يكتب، مُقدّماً رؤية نقدية تثير الأسئلة حول ماهية القيد وماهية التحرر.

يعد فوز روايتها «زعفرانة» بجائزة كتارا تتويجا لهذا المسار وبداية لمرحلة جديدة تستمر فيها الكاتبة في طرح سؤالها الأزلي: ماذا تريد النساء؟ إنها تدرك أن المشروع النسوي لم يقطع أشواطا كافية بعد، وأن الأباطيل لا تزال حية، مما يجعل التحرر عملية منهجية مستمرة تبدأ بالإدراك المعرفي وتنتهي بالرحيل الحر أو التكيف بوعي كامل بالقيود.


مواضيع متعلقة