علي الفاتح يكتب: حلف «القاهرة - الرياض - أنقرة» مقابل الاستثمار في الفوضى
علي الفاتح يكتب: حلف «القاهرة - الرياض - أنقرة» مقابل الاستثمار في الفوضى
التحالفات الإقليمية الجديدة، التي تتشكل في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي عبر صفحة مياه البحر الأحمر، باتت ضرورة استراتيجية لمواجهة الانقلابات الحادة في بنية النظام الدولي، ومشاريع الاستثمار في الفوضى لفرض الهيمنة، ولحماية الاستقلال الوطني أمام حرب الاستقطاب، وضمان موقع متميز في العالم المتعدد الأقطاب.
تفصلنا بضع ساعات عن وصول حاملة الطائرات الأمريكية إبراهام لينكولن إلى الخليج العربي لتنضم إلى عشرات القطع البحرية والمدمرات الأمريكية في سياق أكبر حشد عسكري تشهده المنطقة منذ ثمانية أشهر، بحسب التقارير الدولية.
أغلب المراقبين يذهبون إلى أن الحرب على إيران حتمية، وبقى فقط الإعلان عن ساعة الصفر لبدء حرب إقليمية شاملة تستهدف إسقاط النظام الإيراني وتفكيك الدولة، حتى تتمكن واشنطن من بسط سيطرتها، في مواجهة الصين، وفرض هيمنة المشروع الصهيوني على الشرق الأوسط.
يبدو الأمل في عدم اندلاع هذه الحرب ضعيفاً، وصحيح أن طهران أثبتت امتلاكها تكنولوجيا متطورة بسيطرتها على منظومة «ستار لينك»، وأصدرت عدة بيانات عسكرية حول امتلاكها منظومات دفاع جوي متطورة ومعقدة، حصلت عليها من الصين وروسيا.
علاوة على إعادة بناء القدرات الصاروخية الفرط صوتية على نحو أقوى مما كانت عليه خلال حرب الـ12 يوماً في يونيو الماضي، ومئات القطع البحرية العسكرية، المتنوعة بين الغواصات والزوارق والسفن الحربية، التي بوسعها غلق مضيق هرمز وتلغيم الخليج العربي، إلا أن كل ذلك قد لا يكون سبباً لإلغاء أو تأجيل هذه الحرب بالنسبة للولايات المتحدة.
واشنطن قد تعتقد أنه قد آن الأوان لتحطيم إيران، قبل أن تزداد قوتها على نحو يستحيل معه مجرد التفكير في مهاجمتها. لذلك قد نرى، منذ اللحظة الأولى، هجوماً شاملاً بأقوى الصواريخ الأمريكية من البر والبحر والجو لضمان تحطيم أغلب القدرات الصاروخية ومنظومات الدفاع الجوي لدى طهران.
غير أن إيران ليست دولة صغيرة، ونظام الملالي مصمم على الصمود بحكم تركيبته الأمنية والعسكرية، ولديه عمق جغرافي وديموغرافي داخلي، وعلاقات استراتيجية تمتد بين الصين وروسيا وكلتاهما تعتبرانها رقماً صعباً فى معادلة المواجهة مع الغرب.
لذلك لن يكون سقوط النظام الإيراني بالأمر الهين، وقد تمتد هذه الحرب لشهور على الأقل، إذا قرر قلب الطاولة واتباع مبدأ شمشون بهدم المعبد على رؤوس الجميع، وهو ما يهدد به فعلياً القادة العسكريون في الحرس الثوري والجيش الإيراني.
وحتى إذا أسفرت الضربات الأمريكية العنيفة عن تفكك النظام قد تعيد أجهزته الأمنية والعسكرية إعادة تشكيل نفسها في مجموعات صغيرة تستخدم ما لديها من مخزون من اليورانيوم المخصب لعمل قنابل تكتيكية قذرة تُدخل المنطقة في دوامة من العنف لسنوات طويلة، وهذا ما يحذر منه مراقبون ومحللون سياسيون كُثر.
هذا السيناريو، إن صح وأصبح أمراً واقعاً، مع طول فترة الحرب، سيجعل إيران نموذجاً مختلفاً تماماً عن ليبيا والعراق وأفغانستان.
تدرك واشنطن وحليفها فى تل أبيب أن إيران قد تدخل دوامة حرب أهلية، ومحاولات انفصال من أصحاب العرقيات والمذاهب المختلفة، فهناك الأكراد والبلوش، أو ما يُعرف ببلوشستان والعرب وهناك الشيعة والسنة، وهذا النوع من الفوضى تجيد القوى الغربية الاستثمار فيه، على نحو ما جرى في ليبيا والعراق.
لكنها قد تُفاجأ بفوضى أخرى لم تعتد عليها هي تشكُّل مجموعات عسكرية صغيرة تمتلك أسلحة نوعية تكتيكة وخبرة في صناعتها، كما أن الصين وروسيا قد تستثمران هذا الوضع شديد التعقيد لاستنزاف الولايات المتحدة وتهديد مصالحها في عموم الشرق الأوسط بحيث لا تستطيع الحفاظ على أمن واستقرار تلك المصالح، أو حتى تثبيت قواعدها العسكرية، مما يسهم في إضعافها وخلخلة وجودها الراسخ على مدى العقود الماضية.
في هذه الحالة لن يستطيع الكيان الصهيوني استثمار الفوضى في إيران، وقد يتعرض إلى ضربات متلاحقة تهدد أمنه واستقراره الداخلي، ما سيعمل على تقويض مشروعه لفرض الهيمنة على دول المنطقة.
تجدر الإشارة هنا إلى أن نقل آلاف العناصر فى تنظيم «داعش» من معسكرات تنظيم «قسد» في سوريا إلى العراق يثير القلق والعديد من علامات الاستفهام.
فهل تخطط واشنطن وتل أبيب إلى إحداث فوضى أمنية عارمة في العراق على هامش الحرب في إيران لاستخدام الدواعش في إذكاء العنف والإرهاب داخل إيران؟!
من المهم مراقبة ما سيجري من تحركات تجاه العراق مع انطلاق أول صاروخ أمريكي نحو الأراضي الإيرانية، خاصة أنه جرى تسلل عناصر كردية من شمال العراق إلى غرب إيران أثناء الاحتجاجات الشعبية خلال الأسابيع الماضية، ووفق تقارير صحفية استهدف الحرس الثوري مراكز كردية في غرب البلاد بالصواريخ والطائرات المسيَّرة يُعتقد أنها كانت تضم عناصر من الموساد الإسرائيلي.
سواء اندلعت هذه الحرب أو لم تندلع باتت التحالفات الإقليمية الجديدة ضرورة استراتيجية، ليس فقط لقطع ذراع الكيان الصهيوني، ووكيله المخرب في السودان وليبيا واليمن والصومال، أو التصدي لمشروعه للهيمنة، وإنما لمواجهة التحديات الأمنية الخطيرة الحالية والمتوقعة نتيجة للعدوان على إيران.
«مصر، السعودية، تركيا، باكستان» تحالف رأينا تحركاته في السودان والصومال واليمن، هذه الرباعية يتعين أن تبني حلفاً استراتيجياً للتصدي لهذه الفوضى المحتملة، وتحجيم نفوذ الكيان الصهيوني في المنطقة.
على أن يضم هذا الحلف تلقائياً السودان والصومال وجيبوتي للحفاظ على أمن البحر الأحمر، وتطويق كل مشاريع الاستثمار في الفوضى من إيران إلى ليبيا وتونس.
لتعمل مصر وتركيا والسعودية على إصلاح ما أفسده حلف الناتو في ليبيا، وإجراء مصالحة فورية بين بنغازي وطرابلس، ثم تعزيز قدرات الدولة في تونس، حتى لا تكون ثغرة تنفذ منها الذراع الإقليمية للكيان الصهيوني.
هذا التحالف مؤهل أن يمتد إلى الجزائر ليصنع تكتلاً عسكرياً واقتصادياً يستطيع مجابهة حرب الاستقطاب بين القوى الدولية الكبرى ليحفظ استقلال قراره الوطني، ويخلق لنفسه موقعاً متميزاً في العالم المتعدد الأقطاب الذي بات واضحاً أننا في مخاض ولادته، خاصة في ظل الانقلابات الحادة في بنية النظام الدولي التي شهدنا جانباً منها في منتدى دافوس الاقتصادي، عبر المواقف المتباينة والمتناقضة لرؤساء بعض الحكومات الغربية.
في التحليل الأخير، يقع على عاتق القاهرة والرياض وأنقرة وضع الأساس الصحيح لهذا البنيان الجديد بعد أن تأكد أن ثلاثتهم مستهدف، وأن اجتماعهم يصنع فارقاً، ويغير واقعاً، وقادر على تبديد مخططات المشروع الصهيوني، وتدمير أذرعه ووكلائه الوظيفيين.