أم عمر عبدالجواد.. وداعا
كانت وحيدة والديها تزوجت وهي صغيرة نسبياً شاباً وحيداً أيضاً، وما أدراك أن تتزوج شاباً وحيداً له أربع شقيقات كل منهن تغار منها، ففي مصر تترسخ عقدة الابن الوحيد وتزداد هذه العقدة تأزماً إذا كان الأب غائباً أو متوفياً، ويا ويل الزوجة التي تتزوج الابن الوحيد فستغمرها المكائد.
■ قامت أسرة الزوج بطردها وزوجها من منزل العائلة كنهاية لغيرة الأم وبناتها، عاشت راضية صابرة مع زوجها في بيت والدتها، تحملت طويلاً حتى قام الصالحون بالوساطة فعادوا لمنزل عائلة الزوج، صبر جميل وصفح جميل تعلمته من كتاب ربها الذي كانت لا تغادره.
■ أنجبت سبعة من الأولاد كانوا بمثابة النور الذي يضيء حياتها والضياء الذي يغمر كونها وقلبها، خاصة أنهم كانوا من النوابغ في العلم والعمل، ولكن الحياة أبت أن تصفو لها دون أن تكدر أمنها وطمأنينتها، فمرض الزوج بسرطان الكبد في عام 1994 تسلل السرطان سريعاً لينهش بقية الأعضاء، وما أدراك ما سرطان الكبد؟؟ إنه عقدة المصريين الآن، بل والعالم كله، فهو لا يصد ولا يرد.
■ فقدت زوجها الذي كان يمثل السند والعون لأسرة لا تستطيع العيش بدونه أو الاستغناء عنه، حيث كان هناك ابن واحد يعمل، والباقون ما زالوا يدرسون ويحتاجون لكل شيء من الإبرة للصاروخ، كما يقول المصريون.
■ استطاعت أن تدير الأسرة بإمكانيات بسيطة وبكفاءة عالية، تابعت تعليمهم وحياتهم وأرضهم، وبدأت تزوجهم واحداً تلو الآخر، كانت لها عزيمة حديدية يساندها عون السماء الذي لم ينقطع عنها، فقد كانت لا تجيد القراءة والكتابة ولكنها تجيد الوصال مع السماء ولا تمل من ذكر الله واللجوء إليه.
■ لم تترك صيام النوافل أبداً في حياتها حتى بعد مرضها كان الصيام والذكر المتواصل يمنحانها عزيمة فولاذية اشتهرت بها المرأة المصرية قديماً وخاصة المرأة الصعيدية.
■ قاست كثيراً وتحملت طويلاً، كانت حكيمة تحسن إدارة أسرتها وسط مجتمع لا يرحم الأرامل، ورغم ذلك كانت تؤدي كل واجبات الأسرة الكبيرة وتكرم جيرانها، كانت كريمة تطعم الطعام وتعطي المحروم وتقول بتعبيراتها البسيطة «اللقمة تمنع النقمة» كانت من طراز فريد في الوصال مع السماء ومع أهل الأرض.
■ كانت تعشق محمد رفعت وتحب تواشيح طه الفشني، لأنها كانت تعرف أسرته فهم جيرانها، كان تركيز دعائها ومحبتها لابنها الأوسط الصحفي الشهير أ.عمر عبدالجواد، نائب رئيس تحرير الجمهورية.
■ أتمت رسالتها على أكمل وجه زوجت أولادها جميعاً، لعبت وضحكت مع أحفادها الذين أتموا فرحتها، لم تترك صلاة فجر أبداً، هذا بداية يومها كأي سيدة مصرية ريفية، كانت ترى أن الذي ينام حتى تطلع الشمس عليه يحرم من بركة الرزق.
■ كانت تذهب إلى المسجد تصلي فيه المغرب والعشاء وتتواصل مع صديقاتها، تغمرهم بالحب والود الذي اشتهرت به، فالمرأة المصرية، خاصة الريفية تمتلك من المودة والدفء الاجتماعي ما لا يوجد في أي سيدة في العالم.
■ صلت العصر ثم دخلت العناية المركزة ثم ماتت بعدها بأيام بسيطة، لم تتعب أحداً لا في حياتها ولا عند موتها.
■ حينما ماتت، شيعها الآلاف، حتى استحضر ابنها أ. عمر مقولة الإمام أحمد بن حنبل «بيننا وبينهم الجنائز» فلم يكن هناك أحد من أهل القرية لم يصل عليها أو يودع جنازتها، رحمها الله رحمة واسعة.