عقوبات اقتصادية.. حرب الرسوم تعيد رسم تحالفات القارة العجوز وواشنطن
عقوبات اقتصادية.. حرب الرسوم تعيد رسم تحالفات القارة العجوز وواشنطن
في خضم صراع جيوسياسي، برز الاقتصاد كلاعب رئيسي في المعادلة، إذ يستعد الاتحاد الأوروبي لاتخاذ إجراءات تجارية مضادة واسعة النطاق، رداً على تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية مرتفعة على دول أوروبية داعمة للسيادة على جزيرة جرينلاند، إذ كشفت مصادر أوروبية عن حزمة تعريفات محتمَلة تصل قيمتها إلى 93 مليار يورو، في تصعيد غير مسبوق للتوترات الاقتصادية عبر الأطلسي، في تحرك جاء بعد تلويح «ترامب» بفرض تعريفات تتراوح بين 10 و25% على واردات من عدة دول أوروبية، بينها الدنمارك وألمانيا وفرنسا وبريطانيا، احتجاجاً على رفضها أي مساس بوضع جزيرة جرينلاند ذات الحكم الذاتي.
«عبود»: الأسواق الأوروبية لا تحتمل أعباء جمركية جديدة في ظل التضخّم وتباطؤ النمو.. والفترة المقبلة قد تشهد تحركاً أوروبياً جماعياً لمواجهة أمريكا
بدوره، قال الدكتور أحمد عبود، أستاذ الاقتصاد والمال بجامعة بورتسموث البريطانية، لـ«الوطن»: إن الاقتصاد يُستخدم في هذه المرحلة كأداة ضغط سياسي على الجانب الأوروبي، خصوصاً أن «القارة العجوز» تعتمد بشكل كبير على السوق الأمريكية لتصريف منتجاتها، لاسيما في قطاعات حيوية، مثل صناعة السيارات والصناعات الثقيلة، وهو ما يجعلها أكثر عرضة لتداعيات أي قيود أو إجراءات تجارية محتملة.
وأوضح «عبود» أن الضغوط تأتي في وقت يمر فيه الاقتصاد الأوروبي بتحديات داخلية معقّدة، تشمل ارتفاع معدلات التضخم وزيادة نسب البطالة وتباطؤ وتيرة النمو الاقتصادي، فضلاً عن التداعيات المستمرة للحرب بين روسيا وأوكرانيا، والتي ألقت بظلالها على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والاستقرار المالي داخل دول الاتحاد، متابعاً: «المرحلة المقبلة قد تشهد تحركاً أوروبياً جماعياً لمواجهة أي خطوات أمريكية مُحتملة بفرض رسوم جمركية أو قيود تجارية، إذ إن الأسواق الأوروبية، في ظل الضغوط التضخمية وارتفاع الأسعار، لن تكون قادرة على تحمل أعباء إضافية، معتبراً أن استخدام الأدوات الاقتصادية في هذا السياق يأتي في إطار محاولة أمريكية لفرض ضغوط سياسية أوسع، مرتبطة بملفات جيوسياسية، من بينها جزيرة جرينلاند».
وأكد أستاذ الاقتصاد أن السياسة الأمريكية في هذا الإطار تستند إلى أهداف استراتيجية تتعلق بتوسيع النفوذ والسيطرة على مناطق ذات أهمية جيوسياسية حول العالم، سواء داخل القارة الأوروبية أو في مناطق أخرى مثل أفريقيا وآسيا، في إطار سعي واشنطن لتعزيز هيمنتها العالمية سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، خاصة في ظل ما وصفه بحالة الإرهاق الاقتصادي والعسكري التي تمر بها القارة الأوروبية.
ومن نيويورك، قال أمجد عطية، خبير الشئون الاقتصادية والسياسية، إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عاد إلى استخدام أدوات الضغط الاقتصادي بصورة غير مسبوقة ضد حلفاء الولايات المتحدة التقليديين في أوروبا الغربية، محذّراً من أن هذه السياسات قد تفتح الباب أمام تصدّعات واسعة داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بما قد يعيد رسم خريطة التحالفات الدولية على المدى المتوسط والبعيد.
رئيس الوزراء الكندي يتجه إلى توسيع علاقاته مع الصين
وأشار «عطية» إلى أن التداعيات لم تقتصر على الساحة الأوروبية فحسب، مؤكداً أن رئيس الوزراء الكندي اتجه خلال الفترة الماضية إلى توسيع علاقاته مع الصين في خطوة وصفها بغير التقليدية، بحثاً عن بدائل اقتصادية وتحالفات جديدة، وذلك في أعقاب التعريفات الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب على كندا، والتي انعكست سلباً وبشكل ملحوظ على أداء الاقتصاد الكندي وقطاعات التصدير والاستثمار.
تحدث «عطية» عما وصفه بـ«الفصل الأخير» من التهديدات الأمريكية بفرض تعريفات جمركية إضافية على الحلفاء الأوروبيين قد ينتهي، على الأرجح، باتفاق «أوروبي - أمريكي» يمنح واشنطن مزايا اقتصادية وعسكرية واسعة في جزيرة جرينلاند، دون الوصول إلى سيناريو «امتلاك» الجزيرة بشكل مباشر، في إطار صيغة تحفظ للدول الأوروبية، وعلى رأسها الدنمارك، اعتبارات السيادة ومكانتها السياسية.
ولفت «عطية» إلى أن جزيرة جرينلاند قد لا تكون المحطة الأخيرة في قائمة الاهتمامات الجيوسياسية للرئيس الأمريكي، مرجّحاً أن تتجه الأنظار لاحقاً إلى مناطق أخرى ذات أهمية استراتيجية، وفي مقدّمتها قناة بنما، وربما بعض دول أمريكا اللاتينية، في سياق رؤية أوسع تسعى لترسيخ نفوذ أمريكي طويل الأمد يضمن للولايات المتحدة تفوقاً اقتصادياً وعسكرياً على الساحة الدولية.