«البطريق العدمي» يتجه نحو المجهول.. حكاية صورة أصبحت حديث العالم
«البطريق العدمي» يتجه نحو المجهول.. حكاية صورة أصبحت حديث العالم
قد لا تبدو الصورة مثيرة للوهلة الأولى، فهي مجرد مشهد لبطريق صغير يتواجد وسط مساحة جليدية شاسعة وممتدة، مبتعدًا بخطواته عن بقية أسراب الطيور، إلا أن هذه الصورة عاودت الانتشار بقوة على شبكة الإنترنت، حيث التقطها المستخدمون وأعادوا صياغتها لتتحول إلى شيء أكبر بكثير مما كان يُفترض أن تكون عليه في الأصل.
ويُعرف المقطع المتداول حاليًا باسم «البطريق العدمي»، وهو يصور بطريقًا من نوع «أديلي» يتجه نحو المناطق الداخلية العميقة في القارة القطبية الجنوبية، مبتعدًا بشكل كلي عن مستعمرته وعن مياه البحر، وقد حوّلت منصات التواصل الاجتماعي هذا المقطع إلى رمز تعبيري، وأضفت عليه صبغة من الفكاهة والسخرية الممزوجة بشعور من الاستسلام الهادئ، ورغم أن المقطع قديم ومقتبس من فيلم وثائقي صدر قبل سنوات طويلة، إلا أن الجديد هو حجم الاهتمام الذي حظي به مؤخرًا، والطريقة التي استغل بها الناس صمت اللقطات ليملؤوها بمعانٍ وتأويلات خاصة بهم.


ما قصة البطريق العدمي؟
وعادة ما يرتسم في الأذهان انطباع عن طيور البطريق بأنها كائنات تعيش حياة روتينية ومنظمة داخل جماعات، فهي تتجمع وتهاجر وتقضي تفاصيل يومها في مجموعات مترابطة، وهذا التوقع المسبق هو تحديدًا ما يمنح الصورة جاذبيتها الخاصة؛ إذ يبدو اختيار بطريق منفرد لمسار مختلف تمامًا أمرًا غريبًا، أو على الأقل يثير نوعًا من القلق والتساؤل، ولكن على الإنترنت، اعتبره بعض المتابعين رمزًا لحالات الإرهاق العاطفي، أو الرغبة في الانعزال عن الآخرين، أو ببساطة تعبيرًا عن الانسحاب من صخب الحياة، وبما أن المقطع لا يقدم أي سياق تفسيري أو توضيح في حد ذاته، فقد ترك مجالًا واسعاً للتأويلات الشخصية، وهو الانفتاح الذي ساهم بشكل أساسي في انتشار اللقطة ومشاركتها مرارًا وتكرارًا، مع إرفاق تعليقات وحالات مزاجية متجددة في كل مرة، بحسب ما ذكرت صحيفة «times of india».
وفي البحث عما يحدث فعليًا في مقطع «البطريق العدمي»، نجد أنه مأخوذ من الفيلم الوثائقي الشهير «لقاءات في نهاية العالم» للمخرج فيرنر هيرتزوج، والذي أُنتج في عام 2007؛ حيث يُظهر المشهد بطريقًا من نوع «أديلي» يقف بالقرب من مستعمرته قبل أن يتخذ قرارًا مفاجئًا بالانصراف عنها، وفي الوقت الذي تتجه فيه كافة البطاريق الأخرى نحو الساحل طلبًا للغذاء، يسير هذا البطريق وحيدًا نحو قلب القارة القارة القطبية، حيث يبدو المشهد أمامه خاليًا تمامًا من أي مظاهر للحياة، فلا شيء سوى الثلج والجليد والجبال البعيدة، دون وجود أي أثر لطعام أو مأوى.
The nihilist penguin meme hits different when you realize
— Byt3nomics 🦦 (@bytenom1cs) January 24, 2026
It’s not about giving up.
It’s about the call of adventure being stronger than the instinct to survive.
That’s not insanity.
That’s the purest thing about being alive choosing wonder over safety. $PENGUIN pic.twitter.com/ePXeUYBBhr
سلوكيات البطريق
ولم يظهر على البطريق أي تردد، بل سار بخطى ثابتة ومنفردة، ووفقًا لسرد المخرج «هيرتزوج» في الفيلم، فإن هذا المسار يعني عمليًا الابتعاد عن فرص البقاء، لأن القارة القطبية الداخلية لا توفر أي مقوم من مقومات الحياة التي يحتاجها البطريق، وإذا واصل الطائر سيره فمن غير المرجح أن يعود أبدًا، ولم تتبع الكاميرا الطائر لفترة طويلة، بل انتهى المشهد دون حل واضح، مما ترك اللحظة معلقة في ذهن المشاهد بدلًا من تفسيرها.
وفي سياق آخر، لفت منشور من «البيت الأبيض» الانتباه وزاد من انتشار الصورة الساخرة على نطاق واسع، وذلك بعد نشر صورة تم توليدها عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وهو يسير بجانب بطريق يحمل العلم الأمريكي، ورغم الانتشار السريع للصورة، إلا أن ردود الفعل كانت متباينة للغاية؛ حيث رصد المشاهدون عيوبًا تقنية واضحة، منها عدم تطابق آثار الأقدام على الجليد، كما لاحظوا خطأ جغرافيًا فادحًا يتمثل في أن البطاريق لا تعيش في القطب الشمالي، وقد رُبط هذا المنشور بتصريحات سابقة للرئيس حول «غرينلاند»، مما أضفى بُعدًا سياسيًا لم يكن موجودًا في المقطع الأصلي، وبدلًا من تعزيز روح الدعابة المقترنة بالميم، لفتت الصورة الانتباه بشكل أكبر إلى مدى ابتعاد الصور الساخرة والمُتخيلة عن الواقع والحقائق العلمية.
ويؤكد العلماء والباحثون المتخصصون على ضرورة عدم اعتبار ما ورد في المقطع سلوكًا طبيعيًا أو معتادًا لطيور البطريق، فطيور «أديلي» ترتبط ارتباطًا وثيقًا وفطريًا بالمناطق الساحلية حيث تتوفر مصادر الغذاء ومواقع التكاثر، أما انتقالها إلى المناطق الداخلية فهو حدث نادر للغاية، وغالبًا ما يرتبط بمشاكل فنية محددة، ويطرح العلماء عدة تفسيرات محتملة لهذا السلوك، منها فقدان التوجه لدى الطيور الصغيرة أو تلك التي تفتقر للخبرة، أو الإصابة بمرض أو جرح يؤثر على قدراتها الملاحية، أو حتى القيام بتحركات استكشافية عرضية وغير مقصودة تقع خارج فترات التكاثر، وتعتبر هذه الحالات مجرد استثناءات بيولوجية، وليست مؤشرات على وجود نية مسبقة أو مشاعر عاطفية لدى الطائر، فالبطريق لا يحاول إيصال رسالة أو اتخاذ موقف «عدمي»، بل هو ببساطة يستجيب لظروف صحية أو بيئية غير مرئية لعدسة الكاميرا.