د. جهاد الحرازين يكتب لـ«الوطن»: الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال وتداعياته على المنطقة

كتب: محرر

 د. جهاد الحرازين يكتب لـ«الوطن»: الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال وتداعياته على المنطقة

د. جهاد الحرازين يكتب لـ«الوطن»: الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال وتداعياته على المنطقة

اتخذ رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي قراراً بالاعتراف بإقليم أرض الصومال كدولة مستقلة معترف بها في شهر ديسمبر من العام الماضي غير آبه بما سيترتب على هذه الخطوة وتداعياتها على المنطقة، في ظل سياسة خلط الأوراق التي اعتمدها نتنياهو كسياسة رئيسية لحكومته اليمينية المتطرّفة، بحيث يلجأ إليها كلما وجد نفسه وحكومته في سياق حالة من الضغط، يخرج ليُفجّر مفاجأة جديدة، في محاولة لقلب الموازين وصرف الأنظار عما يقوم به ويرتكبه من جرائم بحق الشعب الفلسطيني ودول المنطقة.

هذا ليس بالغريب أو الجديد على شخصية تمتاز بالمراوغة والتلاعب على عنصر الزمن، في محاولات لخلق فرض أمر واقع جديد يستفيد منه في سياق مخططات الاحتلال الإسرائيلي الهادفة إلى تغيير وجه منطقة الشرق الأوسط، كما تحدّث نتنياهو من على منبر الأمم المتحدة. ولذلك وجد من الأفضل له إلقاء هذه القنبلة السياسية قبل لقائه مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي جرى في 29 من الشهر نفسه، ليشغل الجميع بهذا الحدث السياسي وردّات الفعل عليه، خاصة أنه يتعلق بدولة عربية شقيقة عضو بالأمم المتحدة وبجامعة الدول العربية، من خلال الاعتراف بإقليم عمل على الانفصال عن دولة الصومال، هذا الإقليم الذي له من المكانة الجغرافية والجيوسياسية لموقعه، وما يمتلكه من مساحة تبلغ 170 ألف كيلومتر مربع بحدود بحرية تتجاوز 850 كيلومتراً على المحيط الهندي ومضيق باب المندب وميناء بربرة، الذي يُشكل رئة تنفس لبعض الدول كإثيوبيا.

من هنا أراد نتنياهو خلط الأوراق لتحقيق مجموعة من الأهداف، التي تتمركز حول الآتي:

أولاً: أهداف سياسية، وهي تتمثل في وجود إسرائيلي وعلاقات سياسية مع أرض الصومال في سياق الاتفاقات الإبراهيمية وبناء علاقات معها بتبادل سياسي ودبلوماسي، بما يسمح لإسرائيل بإقامات ودخول وتنقل مع هذه الدولة ذات الأهمية الاستراتيجية.

ثانياً: أهداف عسكرية، وهذه الأهداف تتلخص في إقامة قواعد عسكرية لإسرائيل على أرض الصومال، بما يُعزّز لها الوجود العسكري في القارة الأفريقية، وكذلك في منطقة المحيط الهندي وباب المندب والبحر الأحمر ويوفّر لها هيمنة على تلك المنطقة الشاطئية، وكذلك قدرتها على توجيه ضربات عسكرية لدول تعتبرها تمثل تهديداً لها في اليمن (الحوثيين) وإيران، وكذلك حالة من فرض رقابة عسكرية على منطقة البحر الأحمر.

ثالثا: أهداف اقتصادية، وهذه الأهداف تتركز في إقامة محميات ومشروعات زراعية، والسيطرة على أهم المواني البحرية وطرق التجارة الدولية، واستغلال ثروات هذا الإقليم، في ظل التطور التكنولوجي والزراعي الذي تمتلكه دولة الاحتلال، بما يجعل لها قاعدة اقتصادية كبيرة تُشكل رافداً مهماً على الكثير من دول القارة الأفريقية.

رابعاً: أهداف جغرافية وثقافية، حيث تريد إسرائيل السيطرة على أي بقعة جغرافية في القارة الأفريقية، خاصة إذا كانت هذه المنطقة تعاني من الاضطرابات والفقر وعدم التطور، فهنا تكون ضالة الاحتلال بتلك المنطقة للدخول إليها بمنظومة سياسية واقتصادية ومشروعات تنموية واستثمارات في كل القطاعات الزراعية والصناعية والتكنولوجية، وكذلك الذهاب إلي ترسيخ ثقافة دخيلة على المجتمع القبلي هناك من خلال المدارس والجامعات، التي ستذهب إلى ترسيخ مفاهيم وأسس إسرائيلية في ثقافة شعب، بما تضمن معه تضامناً ومساندة من تلك الدولة وشعبها.

وأمام تلك الأطماع، نرى أن هناك مجموعة من التداعيات التي لها تأثير غير إيجابي علي دول المنطقة، خاصة العربية منها، والأكثر خصوصية القضية الفلسطينية التي كان هناك مخطط متعلق بتهجير الفلسطينيين، وما زال قائماً، وكانت أرض الصومال إحدي الدول المقترحة لهذا الأمر، بما يُشكل أمراً بالغ الخطورة، خاصة أن محاولات التهجير مستمرة ولم تتوقف، في ظل تشغيل مطار رامون الإسرائيلي الذي يتم من خلاله نقل المئات من المواطنين الفلسطينيين من قطاع غزة إلى عدة دول أخرى، ولذلك إذا نظرنا إلى قضية الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال فهي لم تكن عبثاً أو مجرد نزوة أو موقف سياسي، بل هي في سياق اعتبارات كبيرة، ولذلك عندما ننظر بأكثر عمقاً إلى القضية سنجد أن قضية الاعتراف تترتب عليها عربياً حالة من الضغط المدروس الذي يستخدمه نتنياهو باتجاه عدة دول.

وعلي الصعيد الفلسطيني، نرى أن نتنياهو وحكومته أرادا من هذا الاعتراف استغلال الأمر لتحقيق الهدف المتعلق بقضية التهجير لأهالي قطاع غزة، في ظل وعود وموافقات يبدو أنها سرية، بقبول أرض الصومال لاستقبال الفلسطينيين علي أرضها، في ظل مقارنة جغرافية من ناحية المساحة وتمرير مخطط التهجير الذي أرادته الحكومة الإسرائيلية.

أما على الصعيد العربي، فهو أمر متعلق بتدخل في شأن دولة عضو بجامعة الدول العربية لها استقلاليتها ومكانتها وانتزاع إقليم وجزء من أرضها وفصله والاعتراف به كدولة مستقلة يُمثل انتهاكاً للقوانين والأعراف والاتفاقيات الدولية، ولذلك أراد نتنياهو اللعب في الساحة الخلفية للمنطقة العربية، ولم يتوقف عند هذا الأمر، فالجميع يدرك الإشكالية الإثيوبية المتعلقة بسد النهضة ومحاولات تقليص حصص المياه للدول العربية، خاصة جمهورية مصر، وبما لإثيوبيا من علاقة مع إقليم أرض الصومال، باعتباره يمتلك المنفذ البحري الوحيد الذي تستغله إثيوبيا في صادراتها ووارداتها، بما يُشكل دعماً للموقف الإثيوبي، في ظل علاقات متميزة بين إثيوبيا وإسرائيل. والأمر ليس فقط بهذا الاتجاه، بل هناك قواعد مصرية وتركية في الصومال، بما يُهدّد بشكل مباشر بمواجهة قد توجد في أي لحظة.

وأمام هذا المشهد الذي أراد نتنياهو من خلاله خلط الأوراق، رأينا المواقف الدولية والإقليمية والعربية الرافضة لهذا الاعتراف، بما يشكله من تهديد لقضايا كبيرة وحالة استقرار معينة وفتح أبواب مواجهة جديدة، لذلك اصطف العالم رافضاً هذا القرار، ولكن هنا السؤال الأهم: هل تتخلي إسرائيل عن مخططاتها وأهدافها رغم كل تلك المواقف، أم ستمضي قدماً في مخططاتها، الأمر الذي يتطلب حالة من التحرك الدولي والإقليمي والعربي الإسلامي لردع إسرائيل على جرائمها وعدم التعاطي معها على أنها دولة فوق القانون الدولي، والبدء بإجراءات محدّدة، سواء أكانت سياسية أو اقتصادية أو دبلوماسية أو قانونية من قِبل دول المجتمع الدولي، بعيداً عن الفيتو الأمريكي بمجلس الأمن، لأن ما ارتكبته وما زالت ترتكبه من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم القتل والإبادة وجرائم العدوان وجرائم التهجير والتغيير الجغرافي والديموغرافي حسب أهواء ومزاجية وجنون قادتها بحاجة إلي وقفة جادة حتى لا تنهار النظم الضابطة للعلاقات الدولية ومؤسساتها.

القيادي في حركة فتح، فلسطين


مواضيع متعلقة