أنيس منصور في المعرض

الحادث أن الدورة الحالية لمعرض الكتاب أحدثت وقبل أن تبدأ وقبل أن تنتهي زخماً، أعتبره أمراً جيداً ونجاحاً لافتاً في الوسط الثقافي وفي دوائر الرأي العام المختلفة، في آن واحد.

هذا الزخم رأيته وشعرت بضجيجه من الكم الكبير والمميز من الفعاليات التي تم الإعلان عنها، وتنظيمها للعديد من الرموز البارزة في عوالم الفكر والإبداع.

الإشادة والتقدير للقائمين على تنظيم معرض القاهرة الدولي للكتاب، وخاصة هذه الدورة، ليست مطلقة ولكنها مرهونة بمداومة الاستمرار في تنظيم المزيد والمزيد من الفعاليات للمباهاة برموزنا المبدعة في مختلف مجالات الفكر والإبداع، وكذا العودة إلى تبوؤ المكانة التي تتمتع بها مصر كمنارة للثقافة والفكر والإبداع.. أطمع وأطمح في أن يتواصل الاهتمام بمعرض القاهرة للكتاب، كي يعود من جديد، فعلاً وقولاً، واحداً من المناسبات التي يقصدها مبدعو العالم العربي ويحرصون على حضورها والمشاركة فيها، أطمح وأطمع في أن يعاد الاهتمام بذات القدر بمعرض الإسكندرية للكتاب الذي كان في السابق فعالية من الفعاليات المميزة، والتي كانت تعد من ناحية فعالية تتسم بها العاصمة الثانية لمصر، مدينة الإسكندرية، ومن ناحية أخرى امتداداً للفعالية الأكبر معرض القاهرة الدولي للكتاب.

أطمح وأطمع أيضاً في أن تتواصل الجهود التي قامت بها وقدمتها وزارة الثقافة هذا العام، بتوفير مئات العناوين من الكتب والمراجع الثقافية بأسعار زهيدة في متناول الجميع.

أطمح كذلك في أن تتواصل الجهود لإعادة إحياء تراثنا الثقافي والفكري، بإعادة إنتاج وتقديم أشهر الأعمال الأدبية لكبار كتابنا ورموزنا.

وقد سعدت جداً بذلك المؤلف الجديد الذي تقدمه دار المعارف في هذه الدورة من معرض الكتاب، وهو مذكرات المفكر والفيلسوف والكاتب أنيس منصور، والتي تحمل عنوان (حكيت وبكيت) وهي مذكرات كتبها أنيس منصور بخط يده في 400 صفحة و14 فصلاً، وهي آخر ما خطّه قلم أنيس منصور قبل الرحيل.

المذكرات قام بإعدادها وتقديمها للقارئ الزميل الكاتب الصحفي المتميز الدكتور مجدي العفيفي، التلميذ الوفي للأستاذ أنيس منصور، كما وصف نفسه، عبر قراءة نقدية وتحليلية تُضيء العتمات وتستخرج المعاني المستترة بين الكلمات، وتستعين بـ100 صورة للتوثيق والتحقيق.

قال «العفيفي» إن الكتاب جاء في مقدمة وبابين، يضمّان أربعة عشر فصلاً، يتوزع فيها السرد بين الاعترافات المضمَرة، والأسئلة الكبرى التي لم يتوقف أنيس منصور عن طرحها حتي لحظاته الأخيرة.

في الباب الأول «لماذا الحكي ولماذا البكاء؟»

يواجه القارئ سؤالاً وجودياً: هل ما كتبه أنيس منصور كان اعترافاً صادقاً أم محاولة لتبرير حياة عاشها؟ وفيه نقرأ النصّ الكامل للمذكرات، كما كتبها، إلى جانب مقاربة تحليلية تستجلي ما وراء العنوان، وما بين السطور، وما بعد الصمت.

يضيف «العفيفي»: سردية «حكيت وبكيت» -وهي جوهر الكتاب- تتكون من عشرة فصول أو عشر دمعات، كل دمعة تتوزع على عدة صفحات، من بينها قصة العلاقة بين أنيس وفتاته الإيطالية «سينا» التي أحبها حباً ملأ قلبه واستولى على كيانه حتى قرر الزواج منها، وذهب الاثنان إلى الفاتيكان لنيل موافقة البابا لكن القدر كان له كلمة أخرى، إذ انتزع ملك الموت روحها.

وبشكل عام فقد كان الإحساس بالفقد وهو القاسم المشترك الأعظم في سردية الحكي والبكاء والقلم والألم لأنيس منصور.

وفي المذكرات بحسب الدكتور العفيفي يأخذ أنيس منصور القارئ إلى عوالم النساء كما رآهنّ وفكّر فيهنّ من زوجات الفلاسفة والطغاة إلى الملكات ونجمات السينما، إلى السيدات الأُوَل في قصور السياسة، ومن أم كلثوم إلى فاتنات السينما العالمية.

ما أحلى الزخم الذي أحدثه معرض الكتاب في دورته الحالية.