مؤتمر الرياض وإصلاح سوق العمل المصري!

أحمد رفعت

أحمد رفعت

كاتب صحفي

رغم أن مشاركة مصر في «المؤتمر الدولي لسوق العمل» بالرياض تبدو استجابة لدعوة بروتوكولية دورية مع دولة شقيقة، فإن الأمر بالنسبة لمصر أكبر من ذلك.. حيث انخرطنا في اهتمام شامل بملف العمل نتجت عنه تعديلات تشريعية وقانونية وتغيير في اللوائح، بل ومسميات الإدارات الداخلية في الهيئات والمؤسسات الحكومية كتغيير شؤون العاملين للموارد البشرية، وهكذا، ولعل قانون الخدمة المدنية أبرز هذه التشريعات!
وبالتالى، الأمر أكبر من مجرد حضور رسمي لوزير العمل محمد جبران.. في محفل دولي.. بل جاء كإشارة واضحة إلى أن ملف التشغيل يحتل موقعاً متقدماً في أجندة الإصلاح الهيكلي الشامل للدولة المصرية. ففي وقت تتسارع فيه تحولات سوق العمل عالمياً ودخول أنماط جديدة من الوظائف إلى سوق العمل تسعى مصر إلى إعادة رسم خريطتها المهنية بما يفتح آفاقاً أوسع أمام الشباب، ويعزز قدرة الاقتصاد على النمو، لذلك فالرسالة الأساسية التي حملها الوفد المصري إلى الرياض تمثلت في أن بناء سوق عمل حديث أصبح ضرورة وطنية، فمن خلال -مما قلنا- تحديث التشريعات هناك تطوير التدريب والاعتماد على أدوات رقمية، مع تأسيس بيئة تشغيل أكثر مرونة وعدالة قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الداخلين سنوياً إلى سوق العمل.. مع التوفيق بينها وبين احتياجات أصحاب الأعمال، الطرف الثاني من المعادلة.. وهو ما برز في قانون العمل الجديد الذي يوفر -أو يهدف ليوفر- إطاراً قانونياً أكثر توازناً لعلاقات العمل، ويشجع على التوظيف الرسمي، ويعزز حماية العامل، بما يرسخ الثقة بين أطراف العملية الإنتاجية.. وهو ما يعد خطوة مهمة -قد لا يلمسها البعض- نحو تقليص حجم الاقتصاد غير الرسمي ودمج شرائح واسعة من العمالة في المنظومة القانونية والاجتماعية، وهو هدف مهم نسعى إليه منذ سنوات!
التحول الرقمي شكّل بدوره محوراً لافتاً في الرؤية المصرية مع الإعلان عن منصة إلكترونية وطنية للربط بين العرض والطلب في سوق العمل.. هذه الخطوة لا تقتصر على تسهيل التوظيف فقط، بل تفتح الباب أمام بناء قاعدة بيانات دقيقة عن المهارات المطلوبة والقطاعات الواعدة بما يساعد صانعي القرار -ومنهم بالطبع ممثلنا هناك وزير العمل- على التخطيط وتوجيه برامج التدريب وفق احتياجات حقيقية تكون أرقامها ومفرداتها بين يديه!
أما الاستثمار في الإنسان، فقد تصدر بوضوح أولويات المرحلة السابقة أملاً لأن يكون هدفاً في المرحلة المقبلة.. فبرامج التدريب وإعادة التأهيل، خاصة في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والطاقة النظيفة، تمثل الرهان الأكبر على تحويل التحديات إلى فرص.. وبهذا تضع الدولة نصب عينيها هدفاً استراتيجياً يتمثل في إعداد قوة عمل قادرة على المنافسة إقليمياً، وهو ما يوفر فرص التعاون مع الأشقاء، ويخلق بيئة جاذبة للاستثمار، حيث سيجد المستثمر من يحقق أهدافه، وكذلك توافر كوادر لوظائف لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة.
وفي هذه الرؤية.. يتعزز -كما تؤكد الحكومة باستمرار- دور القطاع الخاص كشريك أساسي في عملية البناء سواء عبر المشاركة في توفير فرص التدريب العملي -الذي كانت تقوم به الدولة قبل سنوات طويلة بمراكز التدريب المهنى- أو التوسع في توظيف الخريجين الجدد. هذا التكامل بين الدولة والقطاع الخاص يمثل الضمانة الحقيقية لتحقيق أثر ملموس على الأرض.. وهذا ما نريده ونأمله!