سها السمان عن روايتها «قطة السيدة نفيسة»: تتناول عبق المكان ورمزية البطلة.. وتفتح ملفاً شائكاً عن ما الذي يدفع المبدع لبيع «صوته» لآخر (حوار)

كتب: إلهام الكردوسي

سها السمان عن روايتها «قطة السيدة نفيسة»: تتناول عبق المكان ورمزية البطلة.. وتفتح ملفاً شائكاً عن ما الذي يدفع المبدع لبيع «صوته» لآخر (حوار)

سها السمان عن روايتها «قطة السيدة نفيسة»: تتناول عبق المكان ورمزية البطلة.. وتفتح ملفاً شائكاً عن ما الذي يدفع المبدع لبيع «صوته» لآخر (حوار)

في قلب معرض القاهرة الدولي للكتاب، احتفت الكاتبة الصحفية والروائية سها السمان بباكورة أعمالها الأدبية «قطة السيدة نفيسة»، وهي روايتها الأولى التي تخوض بها تجربة الكتابة الإبداعية بعد سنوات من العمل في أروقة الصحافة الفنية والثقافية، اكتسبت خلالها رصيدًا كبيرًا من الخبرات التي دفعتها إلى كتابة الرواية. وفي هذا الحوار الذي أجرته الكاتبة مع «الوطن» تروي كواليس رحلتها في التحول من «ناقلة للخبر» إلى «صانعة للعوالم»، كما تحدثت عن كواليس الكتابة وسر اختيار «القطة» كبطلة، فضلًا عن علاقتها بمعرض الكتاب الذي تشارك فيه هذه المرة ككاتبة لا مجرد زائرة أو صحفية.

ماذا يمثل لكِ معرض الكتاب هذا العام وأنتِ تشاركين فيه كروائية لأول مرة؟

  • المعرض هو «عيد الثقافة» الأكبر في المنطقة العربية، وبحكم موقع مصر وقوتها الناعمة، يظل الحدث الأهم. في السنوات الماضية، كنت أدخل المعرض بصفة «صحفية» أحمل أدواتي وأطارد الكُتّاب للحصول على تصريحات. هذا العام، الشعور مختلف تمامًا وممتع جدًا؛ أن أرى اسمي على غلاف رواية وسط هذا الزخم هو حلم طال انتظاره. المعرض يمنح العمل الأول فرصة ذهبية لكي يُرى ويُقرأ من جمهور متنوع ومختلف، وهذا هو النجاح الحقيقي لأي كاتب.

كيف ترين الإقبال على المعرض وتخصيص محور لمناقشات شباب الكُتّاب هذا العام كمتحدثين لا مستمعين؟

  • المعرض منصة واحدة وضخمة، كما يُعد فرصة لإظهار أعمال الشباب والمواهب الجديدة، وكذلك الكتابات والاتجاهات غير المعروفة، وذلك من خلال الاتصال المباشر مع الزوار والتفاعل الحي بين الكُتّاب والجمهور للتعرف على ذائقة القراء. وهو في مجمله يشكل دافعًا للكُتّاب في بداية الطريق المترددين في خوض تجربة النشر لأول مرة، فضلًا عن كونه فرصة للجمهور للقاء المؤلف. ونحن بلد شاب، وقد أعجبتني مبادرة «مكتبة لكل بيت» التي أطلقتها وزارة الثقافة للتحفيز على القراءة بأسعار مناسبة للجميع.

متى يقرر الصحفي أن يصبح روائيًا؟

  • الانتقال من الصحافة إلى الرواية ليس «قفزة» بقدر ما هو «امتداد». فأنا أعمل في الصحافة منذ أكثر من عشرين عامًا، وجزء كبير من عملي كان يتركز في الشأن الثقافي والفني. طوال هذه السنوات، كنت أشعر أن الخبر الصحفي، على أهميته، يظل قاصرًا عن احتواء التفاصيل الإنسانية العميقة.

الرواية كانت تختمر في رأسي منذ سنوات، كنت خلالها أجمع المشاهد والمواقف كمن يملأ «خزانة». والصحفي بطبعه صياد للتفاصيل، والمرأة الصحفية تحديدًا تمتلك «رادارات» تلتقط الهامشي والمنسي. كنت أرى قصص النساء، مواقفهن القاسية، وتلك التفاصيل التي تصلح لأن تكون دراما أو أدبًا، وأخزنها. لم تكن تجاربي الشخصية هي المحرك، بل تجارب الآخرين التي كنت شاهدة عيان عليها أو قرأتها في ثنايا أخبار الحوادث. شعرت أن هذه الحكايات قد نضجت بما يكفي لتخرج من «الحصالة» إلى الورق.

تطرحين في الرواية تيمة «الكاتب الشبح».. هل هذا العالم موجود في واقعنا الثقافي العربي بنفس القوة التي نراها في الغرب؟

  • نعم، هو عالم موجود وقائم، لكنه محاط بالصمت والخجل في عالمنا العربي. في الغرب، المصطلح واضح ومعترف به كمهنة احترافية؛ كبار الكُتّاب والسياسيين والمشاهير يوظفون «فريق عمل» لكتابة مذكراتهم أو حتى رواياتهم. الكاتب الأمريكي جيمس باترسون مثلًا من أشهر من يُقال إن لديهم جيشًا من الذين يصوغون أفكاره مقابل أجر مادي، واسمه هو الذي يتصدر الأغلفة ليضمن المبيعات. في عالمنا العربي، المهنة تُمارَس «تحت الطاولة»، فهناك كُتّاب ومسؤولون لا يملكون الوقت أو الموهبة الكافية للصياغة، فيستعينون بصحفيين أو كُتّاب شباب للقيام بالمهمة مقابل مبالغ مجزية. في «قطة السيدة نفيسة»، أفتح هذا الملف من زاوية إنسانية: ما الذي يدفع المبدع لبيع «صوته» لآخر؟

الرواية تذهب بعيدًا في كشف المستور داخل الطبقات الاجتماعية الراقية.. لماذا اخترتِ تسليط الضوء على العنف الأسري في هذه الأوساط تحديدًا؟

  • لأن العنف في الطبقات الفقيرة قد يكون ظاهرًا أو متوقعًا في المخيلة الجمعية، لكنه في الطبقات الراقية يكون مغلفًا بالشياكة والمنصب والتعليم العالي. من خلال عمل البطلة مع نساء من هذه الطبقة تكتشف أن وراء تلك الوجوه اللامعة والمناصب المرموقة مآسي. والمشكلة في هذه الطبقة أن المرأة تخجل من الكلام، لأنها تخشى على صورتها الاجتماعية ومنصبها، فتعتبر التعرض للعنف وصمة عار يجب إخفاؤها. كما أن الرواية تناقش أيضًا أثر ذلك على الأطفال الذين يتعرضون للتنمر أو يشهدون عنف آبائهم، وكيف يعيدون إنتاج هذا العنف حين يكبرون. إنها دائرة مفرغة حاولت كسرها بالكلمات.

كيف تخلصتِ من سطوة الصحافة واللغة التقريرية المباشرة إلى لغة الرواية الخيالية؟

  • كان هذا هو التحدي الأكبر والممتع في آن واحد. فالصحافة تعلمك المباشرة والسرعة وإعطاء المعلومة بوضوح تام لأن القارئ لا يملك وقتًا. لكن في الرواية الأمر مختلف تمامًا، لأن الأدب يحتاج إلى «نفَس طويل»، وإلى لغة تعتمد على «التلميح» لا «التصريح».

في المسودة الأولى، اكتشفت أنني أكتب بأسلوب «التحقيق الصحفي» في بعض المشاهد، فتوقفت وأعدت الصياغة. حاولت أن أصنع لغة بسيطة ورصينة؛ بسيطة لكي تصل إلى الجمهور الواسع، ورصينة لكي تليق بالعمل الإبداعي. فالصحافة أفادتني في بناء الشخصيات وتطور الأحداث، لكنني استعرت من الأدب روحه وخياله لكي أفكك تلك الأحداث وأعيد صياغتها بعيدًا عن تقارير «الديسك».

اختيار نجيب محفوظ شخصية المعرض هذا العام أثار بعض الجدل حول تكرار الاحتفاء به في العديد من المناسبات.. كيف ترين ذلك ككاتبة تنتمي لجيل أحدث؟

  • نجيب محفوظ لا يتكرر، هو الأستاذ الذي لا يمكن لأي كاتب عربي أن يمر دون أن يغترف من منهجه. فمحفوظ ليس مجرد تاريخ، بل هو بنية تحتية للأدب المصري. هل تعرفين أن معظم من أعادوا تصميم أغلفة رواياته مؤخرًا هم من الشباب؟ هذا يعني أن جاذبيته لم تنتهِ. وأنا أحب أعماله، وخاصة رواية «قلب الليل» وفلسفتها العميقة، وأرى أن أعماله مثل «زعبلاوي» و«أولاد حارتنا» تظل قادرة على إجابة أسئلة الراهن. واختيار المعرض له هو رسالة بأن الأصالة هي الأساس الذي نبني عليه تجاربنا الجديدة.

في ظل الثورة التكنولوجية، نرى اليوم محاولات لكتابة الروايات عبر الذكاء الاصطناعي.. هل تخشين على مهنة الكاتب؟

  • الذكاء الاصطناعي أداة مذهلة في البحث عن المعلومات وتجميع البيانات، وأنا كصحفية أؤمن بضرورة استخدام كل الأدوات المتاحة لتدقيق الحقائق. لكن، هل يمكن للآلة أن تحل محل الروح؟ مستحيل. الإبداع هو خلاصة تجربة إنسانية، هو ألم حقيقي، ودمعة صادقة، وموقف مر به الكاتب فغيّر نظرته للحياة. الآلة تُنتج نصوصًا مرصوصة ومنظمة، لكنها تفتقر إلى الحياة. الكتابة هي بصمة الإنسان، إحساسه وهو يكتب الكلمة. في هذه المرحلة لا يمكن مقارنة مخرجات الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت دقتها، بصدق الإبداع البشري. نحن نحتاج إلى الروح الإنسانية لكي نفهم العالم، والآلة لا تملك روحًا.

السيدة نفيسة

«السيدة نفيسة» في الرواية ليست مجرد «لوكيشن» أو مكان جغرافي، بل فاعل أساسي في الأحداث. المكان بعبقه وروحانيته وتفاصيله يُلقي بظلاله على الرواية. أما «القطة» فهي المعادل الدرامي لبطلتي «فرح». وفي المساجد الكبرى، خاصة في منطقة السيدة نفيسة، نجد دائمًا تلك القطط التي تتسلل بين أقدام المصلين، تجلس في الزوايا، تسمع كل شيء وتراقب الجميع دون أن يشعر بها أحد. هذه القطة هي تجسيد للحالة التي تعيشها البطلة.


مواضيع متعلقة