التشتت في العصر الرقمي
لو أن المعلم الأول أرسطو عاد ليحيا بيننا اليوم لاكتشف واكتشفنا معه مدى جهله! أصغر طالب في الجامعة يعرف الآن أكثر مما كان يعرفه أرسطو وأفلاطون من معلومات. لم يعد الإنسان في حاجة لبذل جهد وافر للحصول على المعرفة، عليه فقط أن يفتح هاتفه لتنهمر سيول المعلومات والأخبار من كل مكان ونوع عبر شبكة الإنترنت.
هذا لا يعني بالضرورة أن أذهاننا تنمو مستفيدة من هذا الكم الكبير من المعلومات أو بعضنا سيصبح فيلسوفاً، بل العكس، فهذا يؤدي إلى إضعاف القدرة البشرية على التركيز والتأمل العميق واستخلاص الثروة المعرفية. الإنسان الذي كان يقرأ كتاباً لساعات دون انقطاع، صار يتنقل بين مصادر المعرفة بسرعة لا تمكنه من تغذية فكره، بل يصير تفكيره بعد فترة سطحياً، فالإنترنت أداة مذهلة لإنتاج المعلومات لكنها تخلف أثراً سلبياً على العقل على المدى البعيد يهدد الإدراك العميق.
نحن نعيش داخل زمن لا يشبه الأزمنة التي سبقته. لم يعد الخطر في أن نفقد الوقت، بل في أن نفقد قدرتنا على الإمساك به. التشتت لم يعد عرَضاً جانبياً للحياة الحديثة، بل صار نسيجها الخفى، أصبح الهواء الذي نتنفسه دون أن ننتبه، والضجيج الذي اعتدناه حتى ظنناه صمتاً. هذه البيئة لا تسمح ببناء أفكار متطورة، لأنها تدفع الدماغ إلى التشتت. مما يجعلنا نتعود على استهلاك المعرفة بشكل مجزأ وسريع، بلا جهد يرتبط بالفهم أو التحليل.
في الماضي كان الذهن يتحرك ببطء يشبه خطوات إنسان يسير في طريق ترابي، يرى المشهد كاملاً قبل أن يواصل. أما اليوم فقد صار الذهن كمن يقف وسط تقاطع طرق لا تنتهى، كل إشارة تومض، وكل صوت ينادي، وكل نافذة تطلب أن تفتح فوراً. إن الإنترنت لا تضعف الذاكرة بالمعنى التقليدي، بل تعيد تشكيلها. فقد نقلت الشبكة جزءاً كبيراً من عملية الحفظ إلى الخارج؛ فبدلاً من بناء خبرات راسخة في الدماغ، أصبح الإنسان يعتمد على البحث اللحظي. وهذا يفقر الذاكرة على المدى البعيد، وهى المصدر الأساسي للتفكير والإبداع. فالمعرفة ليست مجرد معلومات يمكن الوصول إليها بسهولة، بل هي تراكم يعيد العقل تشكيله ليستخرج منه الفهم والأفكار الجديدة. ومع فقدان هذا التراكم، يصبح العقل سريعاً في الوصول إلى المعلومة، بطيئاً في إنتاج الفكر.
وإذا كنا نعتقد أننا أحرار في فضاء الإنترنت، فهذا وهم، فالشبكة تتحكم فينا عبر الخوارزميات التي توجه سلوكنا دون وعى. فكل نقرة، رابط، أو إعلان، مصمم ليجذب الانتباه ويستحوذ على مزيد من الوقت الذهنى.
التشتت في العمل هو الوجه الأكثر قسوة لهذا الزمن، لأنّه لا يسرق الراحة فقط، بل يسرق المعنى. يجلس الإنسان ساعات طويلة أمام الشاشة، ينتقل بين بريد ورسالة واجتماع ومكالمة، ويخرج في نهاية اليوم مرهقاً بلا إحساس حقيقى بالإنجاز. تتراكم المهام الصغيرة وتؤجل المهام العميقة، ويختلط الانشغال بالأهمية، ويقاس الأداء بسرعة الرد لا بجودة التفكير. ويبقى الإنسان بحاجة إلى لحظات يستعيد فيها حضوره، بلا شاشة ولا استعجال، مشي بطيء، نفس عميق، كتابة صامتة، صلاة أو تأمل، أي فعل يعيد العقل من التشتت إلى الجسد. هذه ليست طقوساً رومانسية، بل صيانة داخلية لعقل يعمل فوق طاقته.