لعبت الأحلام دوراً مهماً في رسم الصورة الذهنية للخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز. ولو تأملت ما سطره كتاب التراث حول شخصيته فسوف تجد الأحلام حاضرة في العديد من المواقف في حياته، وأنها تمثل أداة أساسية من أدوات رسم صورته كخليفة راشد خامس. تجد الحُلم حاضراً في اللحظة التي شهدت ميلاد «عمر».
يقول «ابن كثير» في «البداية والنهاية» أن رجلاً رأى في المنام، ليلة ولد عمر بن عبدالعزيز، أن منادياً بين السماء والأرض ينادي: أتاكم اللين والدين وإظهار العمل الصالح في المصلين، فقلت: ومن هو؟ فنزل فكتب في الأرض: «ع م ر».
وتختفي الأحلام خلال الفترة، التي شهدت ولاية عمر بن عبدالعزيز على المدينة (7 سنوات)، ولا يظهر في السردية التراثية المقدمة حول هذه الفترة أي رؤى أو أحلام رآها «عمر» بنفسه أو رآها أحد له، وتُعاود الأحلام الظهور لحظة توليه الخلافة، وذلك في حلم شبيه بالحلم السابق يحكيه «ابن كثير» أيضاً ويذكر فيه: قال وهيب بن الورد بينما أنا نائم رأيت كأن رجلاً دخل من باب بني شيبة وهو يقول: يا أيها الناس وُلي عليكم كتاب الله، فقلت: من؟ فأشار إلى ظفره فإذا مكتوب عليه «ع م ر» قال فجاءت بيعة عمر بن عبدالعزيز.
ولعلك تلاحظ التشابه بين الحلمين اللذين اقترن أولهما بميلاد عمر وثانيهما بتوليه الخلافة، وكأن هناك رغبة من جانب من قدموا هذه الأحلام للتأكيد على أن الخلافة شكلت ميلاداً جديداً لعمر بن عبدالعزيز، وقدمته كشخصية تختلف كثيراً عن شخصية عمر بن عبدالعزيز «والي المدينة». فـ«عُمر» الخليفة أكثر تسامحاً، وأقل عصبية، وأشد اهتماماً بالرعية، وأعمق إحساساً بالمسلمين، وعظيم العدل في إدارة كل أمورهم.
ننتقل بعد ذلك إلى رؤيا رآها عمر بن عبدالعزيز نفسه، يقول فيها «ابن كثير»: «وروى أبوبكر بن أبي الدنيا عن عمر بن عبدالعزيز أنه رأى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في النوم وهو يقول: ادنُ يا عمر، فدنوت حتى خشيت أن أصيبه، فقال: إذا وليت فاعمل نحواً من عمل هذين، فإذا كهلان قد اكتنفاه، فقلت: ومن هذان؟ قال هذا أبوبكر وهذا عمر».
نحن هنا بصدد رؤيا شديدة الدلالة على دور الـحُلم في رسم الصورة، ففيها ربط واضح بين عمر بن عبدالعزيز وبين الشيخين أبي بكر وعمر، وفيها وصية من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يُرشد فيها «عمر» إلى العمل بسنَّة الشيخين، وفيها أيضاً ربط بين عمر بن عبدالعزيز وعمر بن الخطاب، وهو الربط الذي دأب المؤرخون على التأكيد عليه، من خلال الإشارة إلى أن «ابن عبدالعزيز» حفيد «ابن الخطاب».
وتحمل هذه الرؤيا مؤشراً يحتج به كتاب التراث على أن «عمر» هو أول مجدد للإسلام على رأس أول مائة سنة هجرية عاشها المسلمون، مصداقاً للحديث النبوي: «يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها»، ويشير «ابن كثير» إلى أن عمر بن عبدالعزيز كان على رأس المائة الأولى. هكذا لعبت الأحلام دوراً محورياً في رسم صورة عمر بن عبدالعزيز.