«قسيس» رجل التصنيع والتصدير والتوظيف
في عالم الأعمال، نادرًا ما تصادف رجل صناعة يرى في المصنع أمانة، وفي العامل شريكًا، وفي التصدير واجبًا وطنيًا قبل أن يكون مكسبًا اقتصاديًا. ومن بين هذه النماذج الاستثنائية، يبرز اسم هاني قسيس، رجل الصناعة الملقب بـ«طلعت حرب» العصر الجديد.
لا ينظر «قسيس» إلى الصناعة باعتبارها طريقا للثراء، بل يراها التنمية الحقيقية التي يؤمن أنه سيُسأل عنها أمام الله يوم القيامة. فلسفته بسيطة وعميقة في آن واحد: الأمم لا تتقدم إلا بما تنتجه، ولا تغتني إلا بما تصدره. ولهذا السبب، اختار منذ البداية الطريق الأصعب.. التصنيع التصدير التوظيف وليس الاستيراد، أو السمسرة والتوكيلات الأجنبية.
منذ مشاركته في تأسيس شركة «منترا» عام 1990، وضع هاني قسيس رؤية واضحة لبناء كيان صناعي مصري قادر على المنافسة عالميًا. واليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود، تصدّر الشركة ما يقرب من 80% من إنتاجها إلى أكثر من 50 دولة في أوروبا وأمريكا وأفريقيا والعالم العربي، في تأكيد عملي على أن الصناعة المصرية قادرة على المنافسة حين تُدار بعقلية علمية وعالمية.
وتعمل شركته في قطاعات صناعية متعددة تشمل الورق، والأدوات المكتبية، والأدوات المنزلية، والأثاث، وهي منتجات تحمل توقيع الجودة المصرية في أسواق دولية شديدة التنافس. ولم يتوقف طموح قسيس عند هذا الحد، بل أطلق أول مصنع للأحذية الرياضية والشنط في مصر وأفريقيا، بهدف سد فجوة تستورد فيها مصر أكثر من 80% من احتياجاتها، في مشروع يستهدف تشغيل ما يصل إلى 50 ألف عامل.
مفهوم الغنى لدى هاني قسيس لا يُقاس بحجم الأموال، بل بتوجيها لإسعاد الآخرين فالغنى الحقيقي – كما يراه – هو جلب العملة الصعبة من الخارج إلى الداخل، لأن هذا هو جوهر التنمية. أما الطريق السهل، طريق الاستيراد والتوكيلات الأجنبية، فيرفضه تمامًا، لأنه – من وجهة نظره – يعني تشغيل مصانع الخارج على حساب المصانع المصرية، والعمالة الأجنبية على حساب العامل المصري، وخروج الأموال بدلًا من تدويرها داخل الاقتصاد الوطني.
ورغم أن حجم أعماله يُقدَّر بالمليارات، فإن «قسيس» لا يتعامل مع المال بوصفه غاية، بل أداة. فهو لا يكدّس الأرباح في البنوك داخل مصر أو خارجها، بل يعيد ضخها باستمرار في تطوير المصانع، وإنشاء خطوط إنتاج جديدة. وقد أخذ على نفسه عهدًا بتوفير 2500 فرصة عمل سنويًا، إيمانًا بأن التشغيل هو أعظم أشكال المسؤولية المجتمعية.
ويؤكد دائمًا أن العامل المصري ليس كما يُشاع عنه، بل هو – إذا أُحسن تدريبه وإدارته – من أفضل عمال العالم. ولهذا يعتبر «قسيس» أن نحو 4000 عامل يعملون في مشروعاته ليسوا مجرد موظفين، بل شركاء النجاح الحقيقيين.
إلى جانب دوره الصناعي، «قسيس» قام بتدريس التسويق بجامعة السوربون، وحصل على بكالوريوس التسويق الدولي من الجامعة الأمريكية بسويسرا ثم الماجستير في الإدارة الدولية من جامعة باريس إضافة إلى برامج تنفيذية متقدمة في التفاوض واتخاذ القرار بكلية هارفارد للأعمال.
هاني قسيس ليس مجرد رئيس مجلس إدارة، بل رجل صناعة يحمل مشروعًا وطنيًا، يرى في المصنع قيمة، وفي العامل كرامة، وفي التصدير طريقًا لنهضة مصر. هو نموذج لرجل اختار أن يترك أثرًا.. لا رقمًا في حساب.