عادل عزام يكتب: المغرب والسنغال.. عندما تُصلح «السياسة» ما أفسدته «الكرة»

كتب: محرر

عادل عزام يكتب: المغرب والسنغال.. عندما تُصلح «السياسة» ما أفسدته «الكرة»

عادل عزام يكتب: المغرب والسنغال.. عندما تُصلح «السياسة» ما أفسدته «الكرة»

على الرغم من كل الشعارات التي تنطلق كل فترة بهدف التأكيد على فصل «الكرة» عن السياسة، وأنه لا تسييس للساحرة المستديرة، فإنه أحياناً كثيرة نجد أنفسنا في حاجة إلى «الكرة» لخدمة السياسة، وفي أوقات أخرى في أشد الحاجة إلى «السياسة» لإصلاح ما تفسده مهاترات «الكرة» بين أبناء الشعب الواحد أو بين الشعوب.

ولأن «السياسة» مثلها مثل الكرة لعبة تحتاج إلى «حريفة» جاهزين دائماً لكل الاحتمالات داخل وخارج الديار، نزلت الملعب سريعاً بمجرد تخطي الكرة خط التماس، وعبر بها البعض فوق «ملعب» ممنوع الاقتراب منه، حيث العلاقات الوطيدة والتاريخية خارج المستطيل بين دولتي المغرب والسنغال.

«السياسة» هنا كانت من الذكاء بحيث نزلت إلى الملعب سريعاً بعد أحداث المباراة النهائية لـ«الكان» بين البلدين، فسارع الملك محمد السادس مؤكداً أن «الأخوة الأفريقية» ستتغلب على «الأحداث المؤسفة» التي شابت المباراة النهائية القارية، ثم تلاه بيان ملكي يشدد بوضوح على أن ما يربط بين المغرب والسنغال أكبر بكثير من التهافت على لقب بطولة كروية، وأن ما حدث خلال المباراة يجب ألا يخرج أو يزيد على حدود الانفعالات العابرة، وأنه مهما بلغت المنافسة الرياضية من حدة يجب ألا تتحول من مفهوم السياق إلى الملعب السياسي وتصنع أزمة دبلوماسية بين المغرب والسنغال.

على وقع رسائل الملك التي تغذي روح التهدئة، انتهى الشوط الأول من مباراة جديدة متكافئة المستوى بين الطرفين. خلال الاستراحة نظم الجانب السنغالي صفوفه، وعاد للملعب دون ذلك المدرب الثائر على النظام الكروي، وفكر في المباراة بشكل جديد، ومنحته نتيجة الشوط الأول التي تقدم فيها المغاربة بهدف «البيان الملكي» دفعة قوية مع بداية الشوط الثاني بتشكيل «اللجنة المغربية السنغالية المشتركة» على أمل إدراك التعادل، وتحقق المراد من خلال هجمة مرتدة منظمة قادها ببراعة رئيس الوزراء عثمان سونكو، مسجلاً هدفاً جميلاً على أرض وبين جمهور ضيوفه من خلال وصفه تلك اللجنة بأنها تمثل «صداقة خاصة» بين بلاده والمغرب.

الشوط الثاني من اللقاء على أرضية «ملعب السياسة»، والذي يتسع لملايين المتابعين والعشاق، شهد في المغرب مباراة خاصة جمعت لاعبين مهرة -كل أعضاء اللجنة المغربية السنغالية المشتركة- وقادها ببراعة أيضاً رئيس الوزراء المغربي عزيز أخنوش، وأجمل لقطاته تسديدة قوية من الطرفين ارتطمت في عارضة هواة تغذية الضغينة، وسكنت بعدها في شباك روح الأخوة الأفريقية.

على ملعب «العواطف الكروية»، انتهت مباراة «المغرب والسنغال» بهدف يتيم ولقب واحد، وكانت نتيجتها تقترب من أن كل أطرافها وكل مَن شارك بها خاسر، وعلى ملعب «الحكمة» الأهداف غزيرة، والنتيجة وصلت إلى «17» هدفاً متنوعاً في العلوم والثقافة والتكنولوجيا في أول «مباراة» من نوعها تنتهي بفوز الطرفين، وأجمل ما فيها عدم الحاجة إلى مراجعة تقنية الفيديو المساعد (VAR) وسط فرحة المغاربة وكذلك السنغاليين الذين يشكلون أكبر جالية أجنبية في المملكة، بنسبة %18.4 من إجمالي المهاجرين.

انتهت المباراة التي جرت دون كرة وبنتيجة غير معتادة، وجاء الدور على اختيار «رجل المباراة» (Man of the match)، مَن يكون؟ وبعد وقت من التمعن والتفكير، فازت بالجائزة «الروح السياسية الرياضية المتبادلة»؛ «سونكو» تألق بكلماته المؤثرة: «العلاقات بين البلدين ما زالت متينة رغم المشاعر الجياشة التي أثارتها المباراة النهائية المثيرة لكأس الأمم الأفريقية، وينبغي إعادة تصنيف الهفوات التي لوحظت على أنها إفراط عاطفي ناتج عن الحماس، وليس كعوامل سياسية أو ثقافية»، وعزيز أخنوش أبدع بكلمات أعادت الأمور إلى نصابها: «العلاقات المغربية السنغالية تستند إلى قواعد صلبة تمس جوانب إنسانية ودينية واقتصادية وثقافية، وليست وليدة اللحظة أو تحالفات ظرفية».. هكذا تكون أهداف الرياضة والسياسة عندما يجتمعان في ملعب واحد.


مواضيع متعلقة