وثائق الموت في سوريا.. الرحلة السرية لتهريب «أرشيف قيصر»

كتب: محمد عبد العزيز

وثائق الموت في سوريا.. الرحلة السرية لتهريب «أرشيف قيصر»

وثائق الموت في سوريا.. الرحلة السرية لتهريب «أرشيف قيصر»

لم يكن يحمل حقيبة، ولا ملفًا، ولا ورقة واحدة، كل ما كان عليه أن يفعله أن يعبر الحاجز للخروج، يسير بشكل طبيعي دون أن يثير الشك، مستفيدًا من قصر الطريق ومعرفته به عن ظهر قلب، لكن، في طيات ملابسه وأحذيته، يخفي سجلًا إداريًا للموت، وأرشيفًا كاملًا من الصور والوثائق، التي أصبحت فيما بعد، أدلة واضحة على إدانة الحكومة السورية السابقة، بعد سنوات من الحرب الأهلية.

تُعرف هذه الصور والوثائق باسم «ملفات قيصر»، وتضم عشرات الآلاف من الصور الرقمية، التُقطت في سياق عمل روتيني، ورافقتها تقارير وإشارات إدارية وطبية، تلك الصور، توضح قتلى التعذيب في السجون السورية والمسشتفيات، وأدلة خرجت من جدران الشرطة العسكرية إلى جهات دولية وحقوقية وأممية.

وتمكن فريد المذهان، الذي كان يشغل منصب رئيس قلم الأدلة القضائية بالشرطة العسكرية السورية برتبة مساعد أول، من تهريب هذه المواد خارج دمشق.

شكلت تلك الصور شهادة دامغة على وقائع الحرب والانتهاكات التي ارتكبها النظام السوري السابق، وبعد خروجها من سوريا، خضعت الملفات لمسار دولي وقضائي، تحولت خلاله إلى أدلة إدانة معتمدة، وأسهمت إلى جانب ملفات وأدلة أخرى في صدور «قانون قيصر» الأمريكي، الذي فُرضت بموجبه عقوبات واسعة على سوريا.

وفي ديسمبر الماضي، وقع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، على إلغاء العقوبات التي فُرضت على نظام بشار الأسد، تحت اسم «قانون قيصر»، بعد تمريرها من قبل مجلسي الشيوخ والنواب بالكونجرس الأمريكي.

«قانون قيصر» منح الولايات المتحدة أدوات لوقف الصراع في سوريا ومحاسبة نظام الأسد على الانتهاكات الواسعة، بما في ذلك استخدام الأسلحة الكيميائية، من خلال فرض عقوبات على المسؤولين والداعمين له داخليًا وخارجيًا، وحرمانه من الموارد المالية.

في هذه القصة، لا نعيد ترديد ما هو معروف عن «ملفات قيصر»، ولا نتوقف عند ما كُشف للعلن فقط، لكن نذهب أبعد من ذلك، لنروي الرحلة كاملة، كيف وُلد هذا الأرشيف داخل مؤسسات رسمية مغلقة، كيف جُمعت الصور والوثائق تباعًا، وكيف نُقلت وحُفظت وهُرّبت عبر شبكة أمنية معقدة لا تسمح بالخطأ، كما نتابع التحول البطيء لوسائط رقمية عادية، لا تثير الانتباه، إلى ملف ثقيل هز العالم.

كما نكشف حقيقة ما تردد في وسائل الإعلام العالمية حول ملفات قيصر، فلم يلتقط فريد المذهان الصور بنفسه، ولم يشغل منصب رئيس قسم الأدلة القضائية كما أشيع، بل كان يشغل منصب رئيس قلم الأدلة القضائية، بينما كان رئيس القسم الفعلي آنذاك العقيد أحمد جمعة.

وننشر لأول مرة الرقم الحقيقي للوقائع الموثقة في الملفات، لتصحيح الصورة المغلوطة حول تفاصيل هذا الملف التاريخي.

حصلت «الوطن» على تلك المعلومات والتفاصيل بشكل حصري من أسامة عثمان، مؤسس الفريق الذي قام بنقل الملفات، وهو زوج شقيقة فريد المذهان، وعماد الدين الرشيد، ناشط حقوقي سوري وأحد أبرز المطلعين على الملف بعد خروجه من سوريا، وأسماء أخرى مطلعة على التفاصيل، بينما تحفظ فريد المذهان على الظهور الإعلامي دون إبداء أسباب.

لم يكن «قيصر» اسم شخص واحد، بقدر ما كان عنوانًا لعملية كاملة، نقل وتخزين، وحماية، وتدقيق، ثم تحويل الأرشيف إلى قضية حقوقية عابرة للحدود، عملية لم تعتمد على بطولة فردية، بل على تنسيق صامت بين مدنيين، وأقارب، ومحامين، وخبراء قانون دولي، ظل كثير منهم مجهولين عمدًا، خوفًا من الانتقام، ولأن بقاء الملف حيًا كان أهم من ظهور الأسماء.

بداية التوثيق

بعد نحو شهرين من اندلاع الاحتجاجات في سوريا، في مايو 2011، رن هاتف أسامة عثمان، كان المتصل فريد المذهان، صديق قديم، طلب لقاءً عاجلًا بلا مقدمات، حين التقيا، قال له ببساطة إنه يعمل في قسم الأدلة القضائية بالشرطة العسكرية، وإن جهاز الكمبيوتر يمتلئ كل يوم بصور جثث خارجة من سجون الفروع الأمنية، أجساد تحمل آثار تعذيب، مرفقة بتقارير طبية تُسجل أسباب وفاة طبيعية، تختلف عن الحقيقة.

كان «المذهان» يفكر في ترك عمله مع اتساع رقعة العنف، إذ كانت الحرب الأهلية تتشكل، والوظيفة لم تعد مجرد عمل، لكن «عثمان» أوقفه عند تلك اللحظة الفاصلة، وطلب منه ألا يترك عمله وأن يأخذ نسخًا من الصور ويحتفظ بها، وينتظر اليوم الذي يسقط فيه النظام السوري، وحينها فقط، تخرج الحقيقة إلى الضوء وتتعرف العائلات على ذويهم.

منذ ذلك اللقاء، لم يعد القرار معلقًا في المستقبل، بل صار جزءًا من الروتين اليومي، كل صباح، كان «المذهان» يخرج من منزله في مدينة التل، ويقطع المسافة القصيرة إلى دمشق، نحو 10 كيلومترات تفصل بيته عن منطقة القابون، حيث مقر الشرطة العسكرية، الطريق مألوف والحركة عادية، ولا شيء في ملامحه أو خطوته توحي بالسر.

عبور صامت عبر الحواجز

كان يعبر الحواجز كموظف يؤدي عمله، لا حقيبة لافتة ولا ارتباك زائد، لكن، كانت الصور تتراكم، واحدة تلو الأخرى، يأخذ ما يستطيع، ويسلم إلى فريقه ما وصل إليه، بينما تزداد الحرب الأهلية قوة.

مع الوقت، لم يعد وحده، الدائرة اتسعت لكنها ظلت محدودة ومحسوبة، ضمت أسامة عثمان، وزوجته وشقيقه، وانضم إليهم محامٍ من مدينة التل، وعنصر منشق عن الجيش السوري انضم إلى الجيش الحر، لم تكن مهمتهم التوثيق، بل الحماية، أن يظل «المذهان» قادرًا على الدخول والخروج، وأن ينجو من الطريق بين بيته وعمله.

لم تكن مدينة التل مكانًا آمنًا، فترات طويلة خضعت لسيطرة فصائل من الجيش الحر، ضباط سابقون حملوا السلاح ضد النظام، وجود «المذهان» هناك كان سلاحا ذا حدين، فمن جهة كان يعمل داخل مؤسسة عسكرية تابعة للدولة، ومن جهة أخرى كان يعيش بين من يرون في ذلك خيانة صريحة، لا يعرفون ما الذي يفعله خلف الأبواب المغلقة.

المصنع الرسمي لصور الموت

لم يلتقط فريد المذهان العديد من الصور بيده من تلك التي عُرفت لاحقًا باسم «ملفات قيصر»، فلم يكن مصورًا، ولم يقف أمام العدسة، لكن موقعه كان في قلب العملية، في قسم الأدلة القضائية، كان دوره إدارة شبكة كاملة من المصورين.

كل صباح، يسلمهم الكاميرات، يرافقون الطبيب الشرعي إلى أماكن تجميع الجثث، ثم يعودون مع نهاية اليوم، في تلك اللحظة، تبدأ المرحلة الأخطر، حين تعود الكاميرات إلى يديه، ويبدأ رحلة تفريغها وجمعها.

يقف أمام شاشات الحاسوب، يفرغ محتويات الكاميرات على الأقراص الصلبة، يعيد تسمية الملفات، يصنفها بدقة، لكن الجزء الأصعب كان ينتظره بعد ذلك، نقل هذه الصور إلى فلاش ميموري أو بطاقة ذاكرة صغيرة، الخطأ فيها قد يُنهي حياته بين أعين الحواجز المنتشرة على طول طريق مدينة التل.

كان يخبئ الفلاش الميموري في طيات ملابسه، أحيانًا في جواربه، وأحيانًا في حزامه، بحيث لا يلفت الانتباه إليها أثناء تجاوزه للحواجز المتعددة التي كانت تنتشر على طريق مدينة التل.

اللحظة الفارقة.. لماذا لم يعد الانتظار خيارًا؟

حانت اللحظة الفارقة في منتصف 2013، اقترحت شقيقة فريد المذهان وزوجة «عثمان»، وأحد أبرز الأعضاء في الفريق، إخراج الصور من سوريا واستخدامها كأداة للمساهمة في إسقاط النظام السوري بدلًا من الانتظار.

بسبب البيئة الأمنية المعقدة في مدينة التل، وسوريا بأكلمها في ذلك الوقت، اقترح أحد الأعضاء رفع نسخة ذات دقة منخفضة من البيانات على «التخزين السحابي»، مع تأمينها بواسطة أحد الأشخاص خارج البلاد، فضلوا عدم ذكر اسمه، أما البيانات الأصلية، فقد قام «عثمان» بتسليمها إلى أفراد من الفريق، وبدورهم، قاموا بنقلها عبر الحدود إلى دولة مجاورة، يقول: «استلمتها منهم بشكل مباشر بعد ذلك».

يقول أسامة عثمان، خلال حديثه مع «الوطن»، إن دوره في تلك المرحلة الحساسة انصب على تأمين قنوات التواصل التي وفرت الحماية الشخصية لفريد المذهان داخل مدينة التل، إلى جانب تجميع وتخزين البيانات الواردة منه، أحيانًا بمساعدة زوجته.

كما تولى توجيه «المذهان» لتنفيذ مهام غير اعتيادية تتجاوز عمله الروتيني، مثل توثيق لقطات جماعية للضحايا وتصوير بعض الوثائق.

ويضيف أنه أشرف على آليات تهريب الوثائق إلى خارج البلاد بنسخها الأصلية ومنخفضة الدقة، وأسهم في تأمين خروج عائلات الفريق نهاية عام 2013 ماليًا ولوجستيًا، بالتنسيق مع باقي أعضاء الفريق، كما تولى ترتيب خروج فريد المذهان من سوريا إلى الأردن، وتأمين إقامته في عمّان لحين انتقاله إلى تركيا عبر قطر.

ويؤكد عثمان أنه أدلى بشهادته المفصلة أمام وحدة مكافحة جرائم الحرب في فرنسا، وكذلك أمام الادعاء العام الألماني عبر المكتب الحقوقي الألماني «ECCHR».

أسامة عثمان

الوثائق خارج سوريا

كان إخراج الوثائق من سوريا يعني أكثر بكثير من تهريب ملفات، كان يعني، خروج العائلات من سوريا ودفعها إلى طرق مجهولة، بكل ما يحمله ذلك من مخاطر، لم يكن الجميع يعرف لماذا يجب أن يرحل، ولا إلى أين سينتهي بهم المطاف.

لذلك سبق الخروج جهد طويل، وضغط متواصل، ومحاولات إقناع لا تتوقف، من دون كشف الغاية النهائية، وفي النهاية، جرى الاتفاق على المغادرة.

البداية كانت باتجاه الأردن، ثم إلى قطر، وإلى تركيا، وبعدها إلى فرنسا، في كل محطة، كان الخطر يعاد تعريفه، وكانت الحاجة إلى الإقناع تعود من جديد، التهديد لم يكن موجهًا إلى فرد بعينه، ولا محصورًا في من حملوا الوثائق، بل شمل الجميع، حتى أولئك الذين بقوا خلفهم داخل سوريا.

نسخة إلكترونية.. وأخرى عابرة الحدود

خرجت الملفات دفعة واحدة، لكن عبر مسارين مختلفين، تحسبًا للفقد أو المصادرة، نسخة منخفضة الدقة رُفعت إلى التخزين السحابي، ونسخة أصلية نُقلت ماديًا، لا عبر الإنترنت ولا بأي وسيلة رقمية، كانت محفوظة على وسيط مادي، مثل فلاش ميموري أو بطاقة ذاكرة أو قرص تخزين، عبر بها أحد الأشخاص الحدود، وسلمها يدًا بيد في دولة مجاورة.

على امتداد تلك السنوات، لم يتعرض الفريق لتهديد مباشر من نظام بشار الأسد، رغم أن السلطات السورية كانت تعرف أسماءهم وبلدان إقامتهم في أوروبا، والمفارقة أن التهديدات جاءت من مكان آخر، حيث أطراف في المعارضة السياسية السورية وجهت رسائل واضحة، مرتبطة بحسابات ومصالح تتصادم مع ما رآه الفريق جوهر القضية.

يختصر أسامة عثمان ذلك بقوله إن الخلاف لم يكن على الصور، بل على معناها: «نحن نراها ملفًا إنسانيًا حقوقيًا سوريًا، لا ينتمي لطائفة ولا حزب ولا حدود».

لم تغادر «ملفات قيصر» دمشق مرة واحدة، فبعد خروجها من العاصمة، كانت بيروت محطتها الأولى، وهناك، في لقاءات محدودة وبعيدة عن الأضواء، عرضت الصور على المحامي اللبناني نبيل الحلبي.

من لبنان، واصلت الملفات طريقها جنوبًا إلى الأردن، وصلت إلى محمد برمو، العضو المنشق عن مجلس الشعب السوري عن مدينة التل، وفي تلك المرحلة، كان «برمو» محطة حاسمة، ليس فقط لأنه اطلع على الملفات، بل لأنه أمّن عبور فريد المذهان نفسه من سوريا إلى الأردن.

آنذاك، لم تكن الصور قد تحولت بعد إلى قضية دولية، بادر «برمو» بعرض نماذج منها على الحكومة التركية، ثم على مسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية، كانت تلك المرة الأولى التي تطلع فيها عواصم كبرى على ما تحمله الذاكرة الرقمية للملف.

لاحقًا، انتقلت المسؤولية إلى الناشط الحقوقي عماد الدين الرشيد، أصبح شاهدًا مركزيًا على المسار الذي سلكته الوثائق بعد خروجها من سوريا، وأحد أبرز من تابعوا تفاصيلها خطوة بخطوة، عبره، بدأت الملفات تخرج من إطار المبادرة الفردية، وتتجه نحو عمل حقوقي أكثر تنظيمًا.

محطة الدوحة.. وتقرير «كارتر روك»

ثم جاءت الدوحة، هناك، تغير كل شيء، عُقدت لقاءات مع أعضاء مكتب «كارتر روك»، ديزموند داسيلفا، وديفيد كرين، والطبيب الشرعي ستيوارت هاملتون.

وكارتر روك هي شركة محاماة بريطانية أسسها بيتر كارتر روك تتخصص في قضايا التشهير والخصوصية والقانون الدولي والنزاعات التجارية، وهي أبرز شركات القانون في العالم.

في إحدى غرف فندق كيمبينسكي بالدوحة، فُتح الحاسوب الذي يحمل الملفات، جلس الطبيب الشرعي البريطاني ستيوارت هاملتون أمام الشاشة، أجرى فحصًا تقنيًا دقيقًا، واختار عينة عشوائية لتحليلها، كانت تلك اللحظة أول تقييم مهني مستقل للصور.

أسفرت الجلسات عن ما عُرف لاحقًا بـ«تقرير كارتر روك»، أول وثيقة دولية تكشف محتوى الصور أمام الرأي العام، رغم ما شابها، بحسب أسامة عثمان، من قصور ومغالطات في توصيف طبيعة الملف وتعقيداته.

وفي الغرفة نفسها، خرج الاسم الذي سيلازم القضية لسنوات طويلة، وهو «قيصر»، الاسم الذي أطلقه البروفيسور ديفيد كرين، ومنذ تلك اللحظة، لم تعد الوثائق مجرد صور، بل قضية تحمل اسمًا، وتطالب بمكانها في التاريخ.

هكذا أصبح فريد المذهان «الشاهد الملك»، بينما أُطلق على أسامة عثمان اسمًا مستعارًا آخر هو «سامي»، تلك الأسماء كانت دروعًا مؤقتة لإخفاء الهويات الحقيقية، في محاولة للنجاة من الانتقام، إلى أن كُشف عنها علنًا لاحقًا، عقب سقوط بشار الأسد.

الفريق

محتوى الصور

ويُظهر جزء من الصور التي حصلت عليها «الوطن» بشكل حصري، مشهدًا داخل مبنى متضرر، حيث تنتشر على أرض، يبدو أنها ساحة خارجية لمستشفى، أجساد عشرات الأشخاص ممددة على ظهورها وبطونها، بعضهم شبه عارٍ أو يرتدي ملابس داخلية فقط، يبدو أنها تركت في المكان دون إسعاف أو نقل، مع وجود بطاقات أو أوراق صغيرة موضوعة قرب عدد منها، يُحتمل أنها لأغراض التعريف أو التوثيق.

أرضية المكان مغطاة بالغبار والركام الخفيف، وتظهر آثار دمار جزئي في الجدران والأسقف، ما يشير إلى أن الموقع تعرض لأعمال عنف أو قصف، وفي إحدى الصور، يظهر شخص واقف عند حافة المشهد، ما يعكس أن المكان يخضع لعملية تفقد أو توثيق بعد وقوع الحدث.

لا تظهر في الصور معدات طبية أو فرق إسعاف، ما يعزز الانطباع بأن الأجساد تركت لفترة من الزمن قبل توثيقها.

بلغ عدد الصور المسربة 26 ألفًا و342 صورة لنحو 6 آلاف و697 ضحية، مع تكرار تصوير كل ضحية من 3 إلى 4 لقطات من زوايا مختلفة.

وتشير التقديرات الطبية واللوجستية إلى أن العدد الفعلي للضحايا الموجودين ضمن الملفات يتجاوز 11 ألفًا، بسبب عدم القدرة على إخراج بعض المواد أو تلفها أثناء التهريب.

ومع انتقال الملف من الشهادة إلى المساءلة، بدأت عملية تسليم النسخ إلى جهات دولية، كانت فرنسا أولى المحطات، حيث سُلمت نسخة من البيانات إلى السفير الفرنسي فرانك جيليه في منزل خاص شمال البلاد.

ثم جاءت ألمانيا، حيث نُقلت الملفات إلى مقر المدعي العام الاتحادي في كارلسروه، برفقة فولفجانج كاليك، رئيس المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان «ECCHR»، وبالتنسيق مع المحامي إبراهيم القاسم.

هناك، خضعت الوثائق لفحص رسمي انتهى بتقرير يؤكد صحتها، ويحمّل النظام السوري مسؤولية الجرائم الموثقة.

نسخ أخرى وصلت إلى منظمات أممية، لم يُكشف عن أسمائها، بينما سُلّمت نسخة كاملة إلى فريد المذهان نفسه مطلع عام 2015، بعد أن ظل لسنوات شاهدًا بلا نسخة من الملف الذي غيّر مسار العدالة الدولية تجاه سوريا.

وبعد سنوات من الوثائق والإدلاء بالشهادات داخل الكونجرس الأمريكي، أُعلن في 2016، قانون قيصر الأمريكي لفرض العقوبات على سوريا.

الوثائق

الفرق بين الملفات.. والقانون الأمريكي

أسامة عثمان، يقول إن هناك فرقا كبيرا بين ملفات قيصر، وقانون قيصر الأمريكي، فالملف هو أرشيف حقوقي إنساني يوثق جرائم قتل وتعذيب داخل سجون النظام السوري، أُنشئ لخدمة مسارات العدالة والمساءلة، ولا يرتبط بزمن أو تشريع سياسي، ولا يسقط بالتقادم، وقد استُخدم أساسًا أمام محاكم أوروبية لإثبات ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

أما قانون قيصر الأمريكي فهو أداة سياسية وتشريعية أقرها الكونجرس ضمن حسابات أمريكية في سوريا، واستُخدم للضغط على النظام وحلفائه اقتصاديًا وعسكريًا، وحمل اسم «قيصر» لأسباب رمزية وإعلامية لا علاقة لها بجوهر الملف الحقوقي.

وعن الخطر القائم حتى بعد مرور أكثر من عام على سقوط نظام بشار الأسد، يرى «عثمان»، أن الخطر يبدو أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، وذلك بعد أن كُشفت هويات الفريق الحقيقية، ولم تعد الأسماء المستعارة درعًا واقيًا.

يعمل فريق «قيصر» خلال الوقت الحالي، على ملفات متعددة تحوي كمًا هائلًا من المعلومات والأدلة المتعلقة بالانتهاكات والجرائم التي ارتكبها النظام السوري، ومن أبرزها ملف قيصر، كما يركز على البحث عن مصير المفقودين، وتوثيق أسماء الضحايا ومعلوماتهم، لتقديمها إلى عائلاتهم، كي يعرفوا الحقيقة بعد سنوات من الغموض والخوف.

في الوقت نفسه، يتابع الفريق جهود الضغط من أجل إجراء محاكمات عادلة لمسؤولين في النظام السوري السابق، رغم تقاعس السلطة الحالية عن الأمر، ويرى أسامة عثمان، أن كثير من مرتكبي الانتهاكات يُعاد تلميع صورتهم، أو يُثبتون في مناصبهم السابقة، بحجة غياب أدلة كافية لإدانتهم.

وتركز «ملفات قيصر» اليوم على حماية الأدلة، ودعم المحاسبة والمساءلة، وإعطاء أولوية للمفقودين داخل وخارج البلاد، وبناء ضمانات مؤسسية تمنع تكرار الجريمة.