علاء عابد يكتب: معرض القاهرة للكتاب.. عُرس ثقافى سنوي
علاء عابد يكتب: معرض القاهرة للكتاب.. عُرس ثقافى سنوي
لم تكن «الكلمة» في تاريخ الإنسانية مجرد وسيلة للتواصل بل كانت بداية الوعي وبوابة المعرفة ومفتاح الحرية الثقافية والفكرية، وعندما نزل الأمر الإلهي الأول: «اقرأ» لم يكن مجرد فعل لغوي، بل كان إعلاناً لميلاد الإنسان العارف والقادر علي السؤال والتأمل وإعادة تشكيل العالم بالكلمة.
لقد كانت «الكلمة» دائماً وأبداً شرطاً للوعي والنهضة والحضارة، ومن هنا تشكّلت علاقة الإنسان بالنص وبالعقل، وهو ما يجعل معرض القاهرة الدولي للكتاب امتداداً رمزياً لهذه الرسالة الإنسانية، حيث إنه فضاء يتجدد فيه اللقاء بين الفلسفة والأدب واللغة والتاريخ والدين.
تُقام الدورة 57 من معرض القاهرة الدولي للكتاب تحت رعاية الرئيس القائد عبدالفتاح السيسي، والتي لم يتبق سوي أربعة أيام علي اختتام هذا الحدث الثقافي السنوي، والذي يأتي هذا العام تحت شعار ملهم: «مَن يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قروناً»، وهو تأكيد علي أهمية القراءة في صقل الفكر وصناعة الحضارة، ما يجعل هذا الحدث فرصة لا تفوت لعشاق الكتاب والمعرفة قبل نهايته يوم 3 فبراير.
منذ الفلسفة اليونانية ارتبطت القراءة بالفعل العقلي النقدي فهذا أفلاطون يقول: «القراءة وسيلة لإيقاظ العقل، لكنها لا تُغني عن الحوار والتفكير النقدي، لأن المعرفة الحقيقية لا تُلقَّن بل تُكتشف بالعقل»، ويقول أرسطو: «العقل الذي لا يُغذّي بالمعرفة يضعف، كما يضعف الجسد إذا حُرم من الغذاء».
وفي الثقافة العربية الحديثة يقول عميد الأدب العربي طه حسين: «القراءة هي السبيل الأسمي لتحرير العقل من الجهل والتعصب، وهي شرط أساسي لبناء مجتمع حديث قائم علي العقل والعلم»، ويخبرنا «العقاد» بأن: «القراءة ليست لتجميع المعلومات بل لتوسيع العقل وتعميق التفكير، فالكتاب يُقرأ ليُفهم ويُناقَش لا ليُحفَظ».
ومن هنا، فإن الإنسان الذي لا يقرأ يعيش في دائرة ضيقة من الجهل، ليس لأنه يفتقر إلي المعلومات فحسب بل لأنه يحرم عقله من القدرة علي السؤال والتفكير النقدي والتأمل الذاتي، فالقراءة تمرين علي الحرية الفكرية وفهم العالم وفهم الذات، ومَن لا يقرأ يظل أسير ما يُلقي إليه ويقتصر إدراكه علي انعكاسات الواقع السطحي ويغيب عن حركة التاريخ والأفكار التي شكلت حضارات الأمم، ويرى «سقراط» أن: «الجهل ليس في عدم المعرفة فقط بل في الاعتقاد الزائف بالمعرفة، ومَن لا يقرأ يظل أسير ما يُلقَّن له».
في المعرض تتجاور كتب الفلسفة والفكر والسياسة والدين، يقول «ديكارت»: «قراءة الكتب الجيدة تشبه محادثة أعظم عقول القرون الماضية شرط ألا نستسلم لأفكارهم دون فحص ونقد»، ويصفها كانط بأن: «القراءة إحدي وسائل الخروج من القصور العقلي ما دامت تقود إلي استخدام العقل بحرية لا إلي الطاعة الفكرية»، وأن «القراءة ضرورة لا غني عنها لفهم الإنسان والمجتمع وهي السلاح الحقيقي في مواجهة القهر والسطحية» كما يقول يوسف إدريس، وأن «القراءة هي الطريق الأوضح للتقدم والتحرر من التخلف، ولا نهضة لأمة لا تجعل الثقافة جزءاً من حياتها اليومية»، كما يشير سلامة موسي.
وأود هنا أن أشير إلي كتابي المعروض هذا العام في هذا العرس الثقافي وهو شرف عظيم أن أشارك في هذا المعرض الثقافي العظيم للمرة الثالثة بكتاب جديد وهو بعنوان: «دور البنوك التجارية في تحقيق التنمية المستدامة»، والذي يمثل جهداً فكرياً وبحثياً في دراسة العلاقة بين القطاع المالي والتنمية الاقتصادية المستدامة ويسعي إلي تقديم رؤية علمية وعملية حول كيفية مساهمة البنوك في تحقيق أهداف التنمية، ودورها في دعم المشاريع الاقتصادية والاجتماعية بما يحقق التوازن بين النمو الاقتصادي والمسئولية الاجتماعية، وهو يفتح حواراً ثقافياً وعلمياً حول الاقتصاد المعاصر وأدواته الحديثة لدعم المجتمعات ضمن تجربة المعرض التي تجمع بين الفكر والإبداع والمعرفة، فكما يقول جان بول سارتر: «القراءة فعل حرية، فالنص لا يكتمل إلا بالقارئ الذي يعيد خلق معناه».
إن الامتناع عن القراءة أو الإهمال الثقافي ليس مجرد نقص معلومات بل هو إقصاء عن الفعل التاريخي والوعي الذاتي، يقول نيتشه: «مَن لا يقرأ فإنه يعيش في قطيع يتبني القيم الجاهزة دون أن يختبرها أو يعيد تقييمها».
إن معرض القاهرة الدولي للكتاب ليس مجرد احتفال بالكتاب بل هو مرآة حضارية وفكرية تؤكد أن القراءة شرط أساسي للوعي وفعل تأسيسي للحضارة، ومن خلال هذا المعرض تتجلي الحقيقة البسيطة والعميقة، بأن الأمم التي تحافظ علي علاقتها بالكلمة تحافظ علي قدرتها علي التفكير وصناعة المستقبل بنفسها.