محمود مرزوق يكتب: اللائحة السعيدية.. قراءة جديدة
محمود مرزوق يكتب: اللائحة السعيدية.. قراءة جديدة
شهد عام 1858م تحولاً جذرياً في نظام ملكية الأراضي الزراعية بمصر، عندما أصدر محمد سعيد باشا، رابع حكام أسرة محمد علي، قانوناً لتنظيم ملكية الأراضي الزراعية عُرف بـ«اللائحة السعيدية». كان هذا القانون يمثل انقلاباً على نظام راسخ عمره قرون، فقد كانت الأراضي الزراعية في مصر قبل اللائحة تُصنف كأراضٍ أميرية، بمعنى أنها ملك للدولة، والفلاح لا يملك سوى حق الانتفاع بها دون حق الملكية الكاملة. كان للدولة الحق في نزع الأرض أو إعادة توزيعها كما تشاء، وكانت الضرائب تُفرض بشكل جماعي على القرية بأكملها. جاءت اللائحة السعيدية لتغير من هذا النظام، حيث اعترفت للمرة الأولى بحق الفلاح في تملك الأرض ملكية فردية كاملة، شريطة أن تكون مزروعة بانتظام وتُدفع ضرائبها بانتظام. وللمرة الأولى في تاريخ مصر الحديث، صدرت حجج ملكية رسمية تمنح الفلاحين حقوقاً قانونية واضحة على أراضيهم.
بدا الأمر وكأنه نقلة نوعية نحو العدالة والتحديث، لكن الحقيقة كانت أكثر تعقيداً. فبينما كان القانون يمنح حق الملكية الفردية، كان يحدد في الوقت نفسه من يحق له التمتع بهذا الحق. فرضت اللائحة أن الأرض التي يتركها الرجل المتوفى يجب أن تُسجل باسم أكبر أبنائه الذكور فقط، في تجاهل تام لأي حقوق للنساء في العائلة. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل حُظر على النساء تماماً تسجيل أي ملكية زراعية بأسمائهن، وبالتالي حُرمن من حق البيع والشراء في الأراضي الزراعية. والأدهى أن النساء اللاتي كن يمتلكن حق الانتفاع بأراضٍ ورثنها عن آبائهن أو أزواجهن في ظل النظام القديم، أُجبرن على التنازل عن هذا الحق لصالح أكبر رجال العائلة.
كان هذا التحول صادماً؛ لأنه جاء مناقضاً تماماً لما كفلته الشريعة الإسلامية للمرأة من حقوق واضحة في الميراث، فضلاً عن ذمتها المالية المستقلة وأهليتها القانونية الكاملة التي تمكنها من اللجوء للقضاء عند وقوع ظلم عليها. لكن اللائحة الجديدة، المستوحاة من قانون الميراث الإنجليزي، جردت المرأة المصرية من كل هذه الحقوق دفعة واحدة.
قوبلت اللائحة السعيدية بترحاب حار من كبار الملاك الذين كانوا يسيطرون على مجالس الأحكام ومجالس المديريات، إذ وجدوا فيها أداة مثالية لتعزيز سيطرتهم على الملكيات الزراعية الآخذة في التوسع. وازداد الأمر سوءاً في عهد الخديوي إسماعيل، عندما اقترح مجلس شورى القوانين حرمان المرأة كلياً من وراثة الأراضي الزراعية، مع السماح لها فقط بوراثة العقارات والممتلكات الأخرى، تحت ذريعة منع تفتيت الرقعة الزراعية، وبحجة أن النساء غير قادرات على إدارة الأطيان.
الأثر الأكثر مأساوية لهذا الظلم لم يكن فقط الحرمان من الحقوق، بل ما تلاه من جرائم موثقة في سجلات تلك الحقبة. انتشر بشكل مقلق ما يسمى بـ«جرائم الشرف» في مديريات الصعيد، لكنها في الحقيقة كانت عمليات تصفية للنساء اللاتي تجرأن على المطالبة بحقهن في الميراث، وكان القتلة يستغلون مسمى «جريمة الشرف» للإفلات من العقاب. وتحفل وثائق مديريتي قنا وإسنا بحالات وفاة نساء حرقاً أو غرقاً في الترع، سُجلت كلها على أنها «حوادث عرضية»؛ لأن أي تحقيق حقيقي كان سيكشف تورط أصحاب النفوذ من كبار الملاك.
المفارقة أن الهدف المعلن من استدعاء هذا النموذج القانوني الأوروبي كان تحرير المرأة من التسلط الذكوري في المجتمعات الشرقية، لكن ما حدث كان العكس تماماً. جلبت «الحداثة» مزيداً من القمع والتهميش، بل والموت في أحيان كثيرة. كان هذا الظلم المنظم يجمع بين أكل الحقوق بالباطل، وقطع صلة الرحم، وإزهاق أرواح بريئة.
امتدت آثار هذا التوجه حتى يومنا هذا؛ فلا تكاد تخلو أسرة مصرية من امرأة حُرمت من ميراثها الشرعي تحت ضغوط اجتماعية، ولو أُعيدت هذه الحقوق إلى أصحابها لشهدنا إعادة توزيع حقيقية للثروة، وهو هدف أصيل من أهداف التشريع الإسلامي في مكافحة الفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية.
تبقى اللائحة السعيدية شاهداً على أن التحديث دون فهم للسياق الثقافي والديني قد يتحول إلى أداة قمع أشد فتكاً من النظم التقليدية التي يزعم أنه جاء لتجاوزها. العدالة الحقيقية لا تأتي من نقل القوانين من سياق إلى آخر، بل من احترام الحقوق التي أقرها القانون والتزام مبادئ العدل والإنصاف.