أشرف غريب يكتب: ستون عاما على رحيل مؤلف «قوم يا مصري»
أشرف غريب يكتب: ستون عاما على رحيل مؤلف «قوم يا مصري»
لم يكن الفنان بديع خيري مجرد مؤلف مسرحي شارك نجم الكوميديا الأول نجيب الريحاني مشوار نجاحه، وإنما كان في ذاته مؤسسة فنية أشعّت بنورها على عالم الكتابة المسرحية والسينمائية وكتابة الأغنيات والزجل والمقالات الصحفية، فضلاً عن مشاركاته التمثيلية حتى لو كانت قليلة، بالإضافة إلى إدارته لفرقة الريحاني المسرحية بعد رحيل صاحبها في يونيو 1949 إلى أن رحل بديع في بداية فبراير 1966. ستون عاماً مرت إذن على وفاة بديع خيري؛ الرجل الذي غنى معه المصريون جميعاً في الشوارع والميادين إبان ثورة 1919 نشيد «قوم يا مصري» من أجل استنهاض الهمم وجمع الصف وحشد الجماهير للمطالبة بالاستقلال عن بريطانيا وعودة زعماء الأمة، وعلى رأسهم سعد زغلول، من منفاهم الأول في مالطا.
وإذا كان «خيري» -الذي بدأ حياته في سلك التدريس- قد بدأ مشواره في التأليف كاتباً للأزجال والأغنيات المسرحية، فإنه نجح بعد ذلك في كل مجال وطئت فيه قدماه، لكن إسهاماته المهمة واسمه الكبير كانا في معية صديق عمره وتوأمه الفني نجيب الريحاني، وهي المرحلة التي أخذت من عمره الفني نحو خمسين عاماً دون أن تمنعه هذه الصلة الفنية والروحية من التعاون مع فنانين آخرين، أبرزهم علي الكسار؛ غريم «الريحاني» التقليدي قبل أن يتراجع «الكسار» عن مجده المسرحي والسينمائي تاركاً «الريحاني» وحده على الساحة برفقة صديقه وشريكه بديع خيري.
ولم تخلُ قصة تعارف الرجلين من طرافة حكاها كل من نجيب الريحاني في مذكراته التي نشرتها سنة 1936 مجلة «الاثنين» التي كانت تصدرها مؤسسة دار الهلال، وبديع خيري في مذكراته المنشورة بمجلة «الكواكب» مطلع الستينات؛ فقد كان نجيب عند بداية تكوين فرقته عام 1917 يتعاون مع الكاتب أمين صدقي في كتابة نصوص مسرحياته معتمداً على شخصية «كشكش بيه» التي ابتدعها سنة 1916، فيما كان «صدقي» يتولى بمفرده كتابة أزجال وأغنيات هذه العروض المسرحية، لكن خلافاً مادياً وقع بين «الريحاني» ومؤلف أعماله ترك أمين صدقي على إثره فرقة «الريحاني» وذهب للعمل مع علي الكسار. ولم تكن عند «الريحاني» أي مشكلة في تأليف النصوص المسرحية أو ترجمتها، وإنما كانت المعضلة في كتابة الأزجال والأغاني. في تلك الأثناء جاءه زميل له كان يعمل معه في بنك التسليف، رمز له بـ «جورج ش»، وأخبره أنه يجيد كتابة الزجل، فطلب منه أن يكتب له نشيداً تقوله مجموعة من المرابين، وفي اليوم التالي جاءه الرجل ومعه النشيد فأعجب به «الريحاني» وسأله: هل أنت مؤلفه؟ فلما أكد له بالإيجاب بادر «الريحاني» بتعيينه على الفور، ولكن صديقاً مشتركاً رمز له «الريحاني» بالحرفين «ت.م» (يقصد توفيق المردنلي الممثل والصحفي بدار الهلال) كشف له السر في حينه، حيث أكد أن جورج هذا عقد اتفاقاً مع شاعر اسمه بديع خيري على كتابة الأزجال واقتسام الأجر فيما بينهما.
وسعى «ت.م» إلى ترتيب لقاء تعارف سريع بين الريحاني وبديع، ويكشف بديع خيري في حواره مع لطفي رضوان بمجلة «الكواكب» سنة 1952 أن «جورج ش» هذا كان اسمه جورج شفتشي، وأن «الريحاني» تعرف على أزجال «بديع» من خلال عروض فرقة نادى التمثيل المصري التي كانت تقدم عروضها على مسرح الإجبسيانة، وأن «شفتشي» ادعى أنه مؤلف العرض الذي أعجب به «الريحاني»، فلما عرض عليه «الريحاني» العمل معه جاءه مهرولاً طالباً منه الكتابة من الباطن مع اقتسام الأجر فيما بينهما. ويضيف «بديع» أنه وافق على الفكرة؛ لأن المال كان متخفياً عنه اختفاء المحصنات في الحريم، غير أن أهم ما كشف عنه بديع خيري في هذا الحوار أن «الريحاني» -ووفق هذا الاتفاق السري- مثّل مسرحيتي «على كيفك» و«كله من ده» قبل أن يكتشف أمر هذا الاتفاق السري ويعرف الجميع أنه صاحب كل هذه الأعمال وليس جورج شفتشي، وهي إيماءة تزيل كثيراً من الخلط الذي أحاط ببداية علاقة الريحاني وبديع، والذي امتلأت به مئات الصفحات التي كُتبت عن الرجلين.
المهم هنا أنه بتعارف الرجلين عرفت الدراما المصرية أعظم ثنائي فني، وأخذ «الريحاني» بالذات يجني ثمرة هذا النجاح حتى نهاية حياته سنة 1949 في السينما والمسرح، بل إن الفترة التي افترق فيها الرجلان سنة 1927 تقريباً هي ذاتها التي شهدت الأشهر العجاف في مشوار النجم الكبير بعد أن ذاق حلاوة النجاح، واضطر على إثرها للعودة إلى «بديع» وتكوين فرقتهما المشتركة واقتسام الحياة معاً على الحلوة والمرة، حسب قول «الريحاني» نفسه، وهي الفرقة التي ظلت تحمل اسم «الريحاني» حتى بعد وفاته، وبقي «بديع» يديرها بإخلاص حتى وفاته قبل ستين عاماً بالتمام.
ومن الإنصاف هنا أن نقول إنه إذا كان «الريحاني» قد احتاج بديع خيري في مشواره الذي أثمر تعاونهما عن قرابة ثمانين مسرحية وتسعة أفلام سينمائية وعشرات الأغنيات والأزجال التي لحّن بعضها الموسيقار سيد درويش، فإن «خيري» قد نجح بمفرده بعيداً عن نصفه الآخر، حيث ظل يكتب للسينما منذ عام 1931 وحتى رحيله عام 1966، بل إن أعمالاً جديدة قد ظهرت له بعد وفاته بسنوات مثل فيلم «الدلوعة» سنة 1969، فضلاً عن عدد ضخم من النصوص المسرحية والسينمائية التي يعاد تقديمها حتى اليوم. وعليه، ومع يقيني بأن الريحاني وخيري كان كل منهما يكمل الآخر، فإن «الريحاني» كان أكثر احتياجاً لـ «بديع» في مشوار نجاحه، ومن هنا تأتي أهمية بديع خيري ومكانته الكبيرة في عالم الإبداع.