د. حسام عبدالغفار يكتب: ما بعد أرقام الإنفاق.. كيف نقيس العدالة الصحية بموضوعية؟
د. حسام عبدالغفار يكتب: ما بعد أرقام الإنفاق.. كيف نقيس العدالة الصحية بموضوعية؟
يثار في الخطاب العام، محلياً ودولياً، تساؤل متكرر حول أداء النظم الصحية، وغالباً ما يُختزل هذا التقييم في رقم واحد: نسبة الإنفاق الصحي إلى الناتج المحلي الإجمالي. ورغم أهمية هذا المؤشر كأداة توصيفية، فإن الاعتماد عليه منفرداً يُعد تبسيطاً مخلاً لا يعكس حقيقة ما يجري على الأرض، ولا يترجم بالضرورة مستوى العدالة الصحية أو كفاءة السياسات العامة.
العدالة الصحية، وفقاً للأدبيات الدولية لمنظمة الصحة العالمية والبنك الدولي، مفهوم متعدد الأبعاد، لا يُقاس بحجم الموارد فقط، بل بالأثر الفعلي لهذه الموارد على صحة المواطنين، وبمدى إتاحة الخدمات وجودتها، وبقدرة النظام الصحي على حماية الأسر من الأعباء المالية، خاصة الفئات الأكثر احتياجاً.
الإنفاق ليس غاية… بل وسيلة
الإنفاق الصحي هو «مدخل» من مدخلات النظام، وليس مخرجاً نهائياً يقاس به النجاح أو الفشل. فقد تنفق دولة ما نسباً مرتفعة دون أن ينعكس ذلك تحسناً في مؤشرات الصحة العامة، بينما تحقق دول أخرى نتائج أفضل بإنفاق أقل نسبياً، نتيجة حسن التخصيص، وكفاءة الإدارة، وتوجيه الموارد نحو الوقاية والكشف المبكر.
ومن هنا، تحذر المؤسسات الدولية من مقارنة النظم الصحية اعتماداً على نسب الإنفاق فقط، لما قد يؤدي إليه ذلك من تجاهل الفروق السكانية والهيكلية، وإغفال جودة الخدمة وكفاءة استخدامها.
كيف تُقاس العدالة الصحية؟
التقييم الموضوعي للنظم الصحية يستند إلى مجموعة مترابطة من المعايير، في مقدمتها:
تحسن النتائج الصحية مثل متوسط العمر المتوقع، وانخفاض وفيات الأمهات والأطفال، والسيطرة على الأمراض غير السارية.
إتاحة الخدمات والتغطية العادلة، خاصة في الدول ذات الكثافة السكانية المرتفعة أو التوزيع الجغرافي غير المتوازن.
جودة الرعاية وسلامة المرضى، لأن الإنفاق المرتفع دون جودة حقيقية قد يتحول إلى هدر صحي ومالي.
الحماية المالية، ويقاس ذلك بانخفاض الإنفاق من الجيب وتقليل خطر الإنفاق الصحي الكارثي على الأسر.
وأخيراً، كفاءة النظام والحوكمة، بما يشمل شفافية الإدارة وتكامل مستويات الرعاية.
الحق في الصحة.. مسار تدريجي لا لقطة زمنية
في السياق القانوني الدولي، يُنظر إلى الحق في الصحة باعتباره حقاً يُعمل به تدريجياً، وفقاً للموارد المتاحة، مع التزام ثابت بعدم التراجع، وإعطاء الأولوية للفئات الأكثر احتياجاً. وبالتالي فإن تقييم التزام الدول لا يتم عبر رقم واحد أو سنة واحدة، بل من خلال اتجاه السياسات واستمرارية الإصلاح.
ومن هذا المنطلق، فإن أي قراءة منصفة للتجربة المصرية يجب أن تأخذ في الاعتبار الخصوصية السكانية، حيث يتجاوز عدد السكان 108 ملايين مواطن، مع تركّز مرتفع في مناطق حضرية كبرى، ما يفرض ضغوطاً مستمرة على البنية التحتية الصحية، ويجعل المقارنة المباشرة مع دول أقل عدداً أو كثافة مقارنة غير دقيقة منهجياً.
التأمين الصحي الشامل والمبادرات الرئاسية
يمثل تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل تحولاً هيكلياً في فلسفة تمويل الرعاية الصحية، من الإنفاق الفردي إلى الحماية الجماعية، ومن تحمل المواطن للعبء المالي إلى إعادة التوزيع العادل للموارد. ورغم أن نسبة الإنفاق من الجيب لا تزال تمثل تحدياً، فإن الاتجاه العام يشير إلى انخفاض تدريجي مع التوسع المرحلي المنظم في تطبيق المنظومة.
كما تمثل المبادرات الرئاسية للصحة العامة نموذجاً للإنفاق الموجه عالي العائد، حيث جمعت بين الوقاية، والتغطية الواسعة، والاستدامة الاقتصادية، وأسهمت في الكشف المبكر عن الأمراض، وتقليل المضاعفات، وخفض التكلفة العلاجية على المدى الطويل، بما يدعم كفاءة النظام واستدامته المالية.
خلاصة القول
إن العدالة الصحية لا تُقاس برقم واحد، ولا بنسبة إنفاق مجردة، بل تُقاس بمسار إصلاحي متكامل، وبسياسات تستهدف الإنسان قبل المؤشرات، وبقدرة الدولة على تحويل الموارد إلى نتائج صحية ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
وتُظهر التجربة المصرية، عند تحليلها ضمن هذا الإطار المركب، نموذجاً لإصلاح صحي تدريجي يرتبط بالنمو الاقتصادي، وحوكمة الموارد، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وليس فقط برفع نسب الإنفاق الاسمية.
*المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة والسكان