بين مطبعة بولاق ومعرض الكتاب
طفرة كبيرة يشهدها هذا العام معرض القاهرة الدولي للكتاب. زار المعرض ملايين المواطنين والضيوف، ولم تنتهِ مدة نشاطه بعد، كما يشهد المعرض ملايين العناوين ومئات العارضين ودور النشر. صار الكتاب في كل يد، ولو عدنا إلى الماضي منذ مئتي عام وخمسة، لم يكن متاحًا شراء أو قراءة كتاب مطبوع. لم تكن مصر عرفت المطبعة، رغم أن أوروبا عرفت المطبعة في منتصف القرن الخامس عشر، قبل أن نعرفها في مصر بحوالي 400 سنة.
اخترع يوهان جوتنبرج المطبعة بالحروف المتحركة في منتصف القرن الخامس عشر، ويرجح أن يكون ذلك ما بين 1440 و1450م في مدينة ماينتس الألمانية. لم يكن الاختراع لحظة واحدة خاطفة، بل ثمرة سنوات من التجريب والمخاطرة، حتى وصل جوتنبرج إلى نظام متكامل يجمع بين ثلاثة عناصر حاسمة: حروف معدنية متحركة قابلة لإعادة الاستخدام، وحبر زيتي مناسب للطباعة، ومكبس مستوحى من معاصر العنب المستخدمة آنذاك.
كانت أوروبا في ذلك الوقت تعيش تحولًا عميقًا مواكبًا لإرهاصات عصر النهضة. الكتب نادرة وباهظة الثمن، تنسخ يدويًا في الأديرة، يستغرق نسخ كتاب واحد شهورًا أو سنوات ويبقى بعد نسخه، محددًا في نسخة واحدة. المعرفة كانت حكرًا على رجال الدين والنخبة المتعلمة، رغم أن الطلب على الكتب بدأ يتزايد مع نمو المدن والجامعات وبروز طبقة وسطى متعلمة. لم يكن جوتنبرج عالمًا أو راهبًا، بل حرفيًا وصائغًا. تفكيره كان عمليًا وتقنيًا، يبحث عن وسيلة لإنتاج الكتب بكميات أكبر وتكلفة أقل. كان أشهر ما طبع في بدايات مطبعته الكتاب المقدس المعروف بإنجيل جوتنبرج نحو عام 1455م، وهو عمل مذهل في دقته وجماله، حتى إن كثيرين ظنوه مخطوطًا يدويًا لا مطبوعًا.
كان ظهور المطبعة زلزالًا حضاريًا في أوروبا والعالم، فقد كسرت احتكار المعرفة ولم تعد الكتب حكرًا على الكنيسة أو البلاط، أصبحت في متناول التجار والطلاب والأساتذة. وخلال خمسين عامًا فقط من اختراع المطبعة، انتشرت المطابع في مئات المدن الأوروبية، وطبعت ملايين الكتب. كما أعادت اكتشاف النصوص اليونانية واللاتينية القديمة ونشرها فانتشرت بسرعة، وازدهرت الفلسفة والعلوم والفنون، ولم تعد الأفكار حبيسة النسخ القليل. ومن أهم ما قامت به المطبعة في ذلك الوقت، أنها لعبت دورًا حاسمًا في الإصلاح الديني، ونشرت أفكار مارتن لوثر التي ما كانت لتنتشر بهذه السرعة لولا المطبعة. ولأول مرة تداولت المنشورات الدينية والجدلية على نطاق شعبي واسع، ما غير علاقة الفرد بالدين والسلطة الدينية.
تأخر العالم العربي قرونًا قبل إدخال الطباعة، والمطبعة هنا ليست آلة لطباعة الكتب فحسب، بل نتحدث عن فجوة حضارية كبيرة في تداول الأفكار، وهي الفجوة التي حاولت مطبعة بولاق، بعد أربعة قرون تقريبًا، البدء في ردمها.
كانت مطبعة بولاق الشرارة الأولى في تاريخ المعرفة في مصر، لا يمكن تجاوز لحظة ميلاد مطبعة بولاق، تلك اللحظة التي بدت كأنها كسر لصمت طويل دام قرونًا. قبل ظهورها، ظلت الكتب تنسخ يدويًا، ببطء شديد، وبانتشار محدود، في وقت كانت فيه أوروبا عرفت الطباعة منذ قرون، وراكمت عبرها ثورة معرفية هائلة. في مصر، لم تظهر الطباعة الحديثة ظهورًا مستقرًا إلا مع مشروع محمد علي باشا التحديثي، الذي رأى في الكتاب المطبوع أداة لا غنى عنها لبناء دولة حديثة. كان نابليون اصطحب في حملته على مصر مطبعة، لكنها كانت تطبع بالحروف الفرنسية، وبعد انتهاء الحملة، عادت المطبعة معها إلى فرنسا.
أسس محمد علي مطبعة بولاق التي كانت أول مطبعة في مصر، وواحدة من أوائل المطابع العربية التي عملت بنظام صناعي متكامل. لم تكن المحاولة الفرنسية أثناء الحملة على مصر سوى تجربة عابرة لم تستمر. أما مطبعة بولاق، فقد جاءت ضمن رؤية متكاملة لإعادة تشكيل التعليم والإدارة والجيش. في عام 1815 أرسل محمد علي بعثة إلى مدينة ميلانو الإيطالية لتعلم فنون الطباعة وصناعة الحروف وشراء الآلات، في إشارة واضحة إلى أن المشروع لم يكن تقليدًا شكليًا، بل سعيًا حقيقيًا إلى امتلاك أدوات المعرفة.
تأسست المطبعة في حي بولاق بالقاهرة عام 1820، وبدأ إنتاجها الفعلي في أوائل عشرينيات القرن التاسع عشر. كان أول ما خرج من بين آلاتها قاموس عربي إيطالي، في دلالة رمزية على انفتاح معرفي جديد يربط بين الثقافة العربية والعالم الأوروبي. منذ ذلك الحين، تحولت المطبعة إلى قلب نابض لحركة النشر في مصر، فطبعت الكتب العسكرية التي احتاجها الجيش الحديث، والمؤلفات العلمية والطبية والرياضية والبيطرية، إلى جانب كتب اللغة والأدب والتراث.
كان من أبرز ما صدر عنها طبعة «ألف ليلة وليلة» الكاملة عام 1835، وهي أول طبعة عربية لهذا العمل الذي سيصبح لاحقًا أحد أشهر النصوص الأدبية عالميًا. كما ارتبط اسم مطبعة بولاق بتاريخ الصحافة المبكرة في مصر من خلال طباعة «الوقائع المصرية»، التي شكلت وعيًا جديدًا بالعلاقة بين الدولة والمجتمع. في مرحلة لاحقة، لعبت المطبعة دورًا محوريًا في طباعة المصحف الشريف، وصولًا إلى النسخة المعتمدة عام 1924 التي أُقرت بموافقة الأزهر، وهي علامة فارقة في تاريخ طباعة النصوص الدينية.
كانت المطبعة في بداياتها تعتمد على الطباعة بالحروف المعدنية والطباعة الحجرية، مستخدمة آلات مستوردة وخطوطًا جرى تطويرها تدريجيًا لتناسب جماليات الخط العربي، وهو تحدٍ تقني وفني في آن واحد. كانت المطبعة مؤسسة تابعة للدولة، تنقلت إداريًا بين جهات مختلفة، وتغير اسمها عبر العهود، لكنها احتفظت بدورها المركزي في نشر المعرفة المنظمة. مع تغير الزمن وتطور الصناعة، انتقلت المطبعة في النصف الثاني من القرن العشرين إلى مقر جديد في منطقة إمبابة. بدأ التخطيط لهذا الانتقال في أواخر الخمسينيات، ضمن مشروع لتحديث إمكانياتها وتوسيع طاقتها الإنتاجية، وبذلك طويت صفحة الموقع التاريخي في بولاق، دون أن يطوى أثره الرمزي في الذاكرة الثقافية المصرية.
بعد مطبعة بولاق، توالت نشأة المطابع الحديثة في مصر، وامتدت التجربة إلى أنحاء العالم العربي، فكبرت صناعة النشر واتسعت دوائر القراءة، وخرج الكتاب من كونه أداة تعليم رسمية محدودة إلى منتج ثقافي متنوع يخاطب الجمهور العام. ومع هذا الاتساع، تغير المشهد كله، حتى وصلنا اليوم إلى زمن المعارض الكبرى، وفي مقدمتها معرض القاهرة الدولي للكتاب.
إن المسافة الزمنية الطويلة بين مطبعة بولاق ومعرض القاهرة الدولي للكتاب، تجسد قصة تطور المعرفة وتقنياتها بشكل حضاري كامل. كانت مطبعة بولاق مشروع تأسيس، تهدف إلى سد فجوة معرفية عميقة، وتنشر عشرات أو مئات العناوين التي تعد آنذاك إنجازًا ضخمًا. أما معرض الكتاب اليوم، فهو احتفال سنوي بملايين العناوين، ومنصة عالمية تلتقي فيها دور نشر من شتى أنحاء العالم، وتعكس تراكم قرنين من الطباعة والتعليم والقراءة.
كانت مطبعة بولاق الشرارة الأولى، لا من حيث الكم فحسب، بل من حيث المعنى. فقد أعادت للكتاب حضوره، ومهدت الطريق لثقافة القراءة العامة، وفتحت الباب أمام ما نراه اليوم من وفرة معرفية. وبين آلة طباعة بسيطة في حي بولاق، وأجنحة مترامية الأطراف في معرض القاهرة الدولي للكتاب، تمتد حكاية مصر مع المعرفة، حكاية بدأت بخطوة جريئة، وما زالت تتشكل صفحة بعد صفحة.