منة شلبي.. السير عكس المألوف

كتب: أحمد شعراني

منة شلبي.. السير عكس المألوف

منة شلبي.. السير عكس المألوف

لم تسعَ الفنانة منة شلبي، منذ بداية مشوارها المهني، إلى النجومية بالمعنى التقليدي أو مجرد الحضور، بقدر ما راهنت على الاختيار، والبحث عن مناطق المغامرة لا عن مساحات الأمان، عبر قرارات جريئة جعلتها واحدة من أكثر ممثلات جيلها اختلافاً وتأثيراً في السينما والدراما المصرية.

دخلت «منة» عالم التمثيل في مطلع الألفية، على يد واحد من عباقرة الإخراج في مصر، الذي أعطاها الفرصة الأولى أمام النجم الراحل محمود عبدالعزيز، في فيلم الساحر، وسرعان ما لفتت الأنظار إلى موهبتها.

كانت البداية تقليدية نسبياً، لكن مع مرور الوقت استطاعت تقديم شخصيات غير نمطية، تحمل هشاشة داخلية وقلقاً إنسانياً واضحاً.

لم تغوها أدوار الفتاة الجميلة أو البطولات السهلة، بل اتجهت مبكراً إلى الأدوار المركبة، التي تتطلب أداءً داخلياً دقيقاً، يضع الممثلة في مواجهة مباشرة مع مشاعر الخوف والانكسار.

على مدار مسيرتها، قدمت نماذج نسائية تقف عند مفترق الطرق: نساء في مواجهة الفقر، أو الوحدة، أو السلطة، أو الهزيمة الداخلية، من «نوارة» إلى «تراب الماس»، لم تكن الشخصية عندها مجرد دور، بل حالة إنسانية كاملة، تبنى بالتفاصيل الصغيرة، وبأداء يعتمد على الصمت والنظرة ولغة الجسد أكثر من الاعتماد على الانفعال الصاخب.

وربما كان هذا الاختيار المستمر للطريق الأصعب هو ما جعل حضورها الفني غير مرتبط بعدد الأعمال، بقدر ما هو مرتبط بتأثيرها، فهي لا تظهر كثيراً، لكنها حين تطل على الشاشة تترك أثراً واضحاً، وتفتح نقاشاً حول شكل البطولة النسائية وحدودها، بعيداً عن القوالب الجاهزة والمعلبة.

في موسم رمضان المقبل تعود «منة» إلى الدراما من خلال مسلسل «صحاب الأرض»، في تجربة مختلفة تحمل بعداً إنسانياً وسياسياً شديد الحساسية، حيث تجسد شخصية طبيبة مصرية تصل إلى قطاع غزة ضمن قافلة إغاثة، على خلفية أحداث العدوان الإسرائيلي على غزة، لتجد نفسها في قلب مأساة إنسانية تتجاوز قدرتها المهنية، وتضعها أمام أسئلة وجودية قاسية.

لا تعتمد «منة» على البطولة التقليدية، ولا تقدم شخصية خارقة، بل امرأة عادية تواجه مشاهد الدمار والفقد، وتحاول التمسك بمعنى إنساني وسط الحرب، وهو ما ينسجم مع فلسفتها في التمثيل، التي ترى أن القوة الحقيقية تكمن في الصدق، لا في الاستعراض.

منة شلبي ليست نجمة تسير في طريق ممهد، بل ممثلة اختارت الطرق الوعرة وتحملت تبعات الاختيار.

وفي زمن باتت فيه الجرأة الفنية عملة نادرة، تظل «منة» نموذجاً لفنانة ترى في القلق قيمة، وفي المغامرة ضرورة، وفي التمثيل فعلاً إنسانياً قبل أن يكون مهنة.


مواضيع متعلقة