الروائية بريهان أحمد: «الليل مع فاطيما» شهادة أدبية استنزفت مشاعري وأبكتني بحثا عن الإنسان المغترب

كتب: ياسر الشيمي

الروائية بريهان أحمد: «الليل مع فاطيما» شهادة أدبية استنزفت مشاعري وأبكتني بحثا عن الإنسان المغترب

الروائية بريهان أحمد: «الليل مع فاطيما» شهادة أدبية استنزفت مشاعري وأبكتني بحثا عن الإنسان المغترب

بين أروقة البحث الأكاديمي وصرخات الوجع القادم من بيارات فلسطين، ولدت رواية «الليل مع فاطيما» للدكتورة بريهان أحمد، لتكون أكثر من مجرد سرد قصصي، إنها وثيقة إنسانية مغموسة بالدم والدمع.
في هذا الحوار، نُبحر في عقل الروائية التي لم تستجب فقط لإلحاح قرائها، بل انصاعت لصوت ضميرها المهني والوطني، لتكشف عن كواليس تحويل قصة قصيرة إلى ملحمة روائية ترصد «الحرب الباردة» التي يمارسها الاحتلال ضد الهوية والوجود، وتستعرض كيف تحول القلم إلى كاميرا توثق جرائم مسكوت عنها، من تجارة الأجنة إلى مقابر الأرقام، في مزيج فريد بين الخيال الجامح والواقع الصادم.

- تحولت قصة «الليل مع فاطيما» من نص قصير ضمن مجموعة «بقايا جيل التسعينيات» إلى رواية كاملة.. كيف بدأت هذه الرحلة؟
صدرت مجموعتي القصصية الأولى عام 2022 مكوّنة من عشر قصص متنوعة درامياً واجتماعيا، آثرتُ وضع قصة «الليل مع فاطيما» في المقدمة كعابرة سبيل، لتكون القصة رقم واحد، الحقيقة أن مراجعات القراء على موقع «جودريدز» وتعليقاتهم هي التي طالبت بكتابتها كرواية، وهو طلب غير مألوف على الكاتب، فالمعتاد أن يطلب الجمهور جزءا ثانيا لعمل مرئي، أما تحويل قصة لعمل روائي فكان أمرا غريبا، هذا الطلب توافق مع رؤية أمي التي دفعت بالقصة لمقدمة المجموعة.
وبالمناسبة، هذه القصص تُعد روايات قصيرة وفقا للمنهج الروسي لأنطون تشيخوف، لكن دار النشر آثرت مسمى المجموعة القصصية لمواكبته سوق الكتاب المصري، وحققت المجموعة الطبعة الخامسة وتصدرت قوائم الأكثر مبيعا لسنوات.

- بين الحصول على الدكتوراه والبحث عن المسار الأكاديمي.. كيف استجبتِ لرغبة والدتكِ وإلحاح القراء في خوض مشروع روائي جديد؟
بعد حصولي على الدكتوراه لعامي 2024–2025، انصب تركيزي على البحث عن عمل في المجال الجامعي، وكان الأمر شاقا، ولم أكن أنوي الخوض في مشروع روائي، في صباح أحد الأيام، رأت أمي أوراقي البحثية الخاصة برواية «الليل مع فاطيما»، وقالت لي بصفتها قارئة تعشق شخصية فاطيما: «العمل بحثيا مستوفٍ للشروط الروائية، ولن يتطلب منكِ إلا الكتابة واسترجاع المعلومات»، بدأتُ بالفعل في صياغة خطة جديدة وشرعت في الكتابة بفضل الله، لقد كان هناك ظن مسبق لدى القراء أثناء قراءة المجموعة الأولى بأن القصة ستظهر أمامهم مرة أخرى بشكل أوسع.

- شخصية الإعلامي «سامر» تعاني صراعا داخليا مريرا.. كيف رسمتِ ملامح هذا الاغتراب النفسي بين وطأة الغربة وتراكم الذنب؟
هذه الشخصية ذات مشاعر معقدة جدا، فكتابة مشاعر التردد والقلق ومتابعة الانفعالات النفسية والاجتماعية مع الحفاظ على تصاعد الحدث كانت شديدة الصعوبة، الاغتراب النفسي هنا يتمثل في قراءة المشهد الخارجي للمحيط الموازي للشخصيات، وتتبع التطورات السياسية والاقتصادية العامة، ولعل أصعب المشاعر التي كتبتُ عنها هي مشاعر الفقد والغموض بين فاطيما وسامر، حيث يوجع الغياب في حالات الحب الحقيقي والتعلّق العاطفي.

- اخترتِ «فيسبوك» فضاء للقاء الأول بين الأبطال.. أترين أن التواصل الافتراضي قادر على حمل ثقل الواقع بدمويته؟
أردتُ كتابة الواقعية ومواكبة ما يمر به الشباب عبر «السوشيال ميديا»، العالم الافتراضي مليء بقصص الحب الحقيقية التي تنتهي إما بالزواج أو الفراق، فهو ليس وهما، في التسعينيات كان التواصل يتم عبر التليفون الأرضي، ومع تطور المجتمع أصبح عبر فيسبوك وتويتر، الغريب أنني بعد صدور المجموعة، وجدتُ العديد من القراء يرسلون لي قصصا مشابهة تماما لقصة فاطيما وسامر.

- اقتحمت الرواية ملفات شائكة كـ«تجارة الأجنة الفائضة» واستغلال الفتيات.. ما الدوافع الفنية لهذا التوجه؟
هذه قضايا إنسانية بالدرجة الأولى ولا يجوز تغافلها، وهي قضايا متشابكة تحتاج للتحقيق والكتابة، الأهم بالنسبة لي كان تسليط الضوء على الخط الموازي للقضية الفلسطينية، حيث استهدف جيش الاحتلال مراكز الأجنة في فلسطين لتقليل الديمغرافيا السكانية، تطلب تنظيم الفكرة دراميا بحثا عميقا في الأخبار العالمية والمراكز الطبية التي ضُربت، مثل مركز «الحياة الطبي» والطبيبة الشهيدة عهد صفوان، كان التحدي يكمن في تبسيط هذه القضايا الصعبة للقارئ في قالب درامي.

- كيف ربطتِ دراميا بين قصة حب عابرة للحدود وقضايا قاسية مثل تجارة الأعضاء ونقل مرض الإيدز؟
هذا الربط استوجب تركيزا وبحثا دقيقا الاحتلال يمارس حربا حقيقية تستهدف الأطفال والشباب عبر القنص وسرقة أعضاء الأسرى، ومن الحقائق الصادمة أن مشرحة «أبو كبير» الإسرائيلية هي الجهة التي تصدر تقارير وفاة الشهداء، القاتل يكتب عن جريمته، أما قضية نقل الإيدز، فهي قضية مسكوت عنها، وتعد طريقة لاستبدال التصفية الجسدية المباشرة بالقتل البطيء عبر نقل المرض.

- تناولتِ أيضا قضية «مقابر الأرقام».. ما الذي سعيتِ لتوضيحه من خلال هذا الملف البشع؟
مقابر الأرقام من أبشع جرائم الحرب الباردة، حيث يُدفن الأسرى والشهداء في مناطق مغلقة ومسورة بالأسلاك، تحمل جثامينهم أرقاما فقط، الاحتلال يتعامل مع هذه الجثث كأنها «نفايات»، وفقا لتصريحات منشورة في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، الأخبار عن هذه المقابر شحيحة وممنوعة، وكان من الواجب الكتابة عنها لأن أهالي الأسرى ينتظرون أبناءهم ولا يعلمون أنهم تحت الثرى.

- تحدثتِ عن مفهوم «الحرب الباردة» في بناء السرد.. كيف تصفين هذه الحرب بعيدا عن التعريفات الأكاديمية؟
الحرب الباردة هي التصفية التي لا نراها في التغطيات التليفزيونية المعتادة، تتمثل في قتل الأطفال، ضرب مراكز الأجنة، واستهداف الصحفيين كما حدث مع شيرين أبو عاقلة، تشمل أيضا التمثيل بجثث الأسرى بهدف تقليص الكثافة السكانية للفلسطينيين، هذه هي الحرب الباردة بوضوح ودون تعقيد.

- اعتمدتِ على مصادر ميدانية حقيقية، ما القيمة المضافة التي حققها هذا التواصل المباشر؟
التواصل مع أطباء الهلال الأحمر الفلسطيني كان صادما، أحدهم قال لي: «دكتورة بريهان، افهمي ما بين السطور، اليهود سيأتون إليّ»، كنتُ أبحث عن إجابات حول حقن الأسرى بمواد مجرمة ممتدة الأثر، ليفلت الاحتلال من المساءلة الدولية، القيمة المضافة تكمن في فهم عقلية العدو وما يضمره لتقليل أصحاب الأرض، كما أن التواصل مع خبراء سياسيين ممن تعرضوا للاعتقال كان بمثابة كاميرا تعيد الذكريات بدقة.

- كيف انعكست آراء الخبراء السياسيين حول أحداث مثل «طوفان الأقصى» على دقة التوثيق في الرواية؟
التواصل ساعدني في فهم مواقف اليمين الإسرائيلي داخل الكنيست، المعلومات التي حصلت عليها كانت صدمات حقيقية غير موجودة في الكتب، بعض الخبراء أنكر عملية الطوفان بسبب ضخامة إمكانيات العدو والنتائج المأساوية التي جعلت غزة كومة رماد، الغريب أنني تنبأت بجعل غزة «بؤرة سوداء» في مجموعتي الأولى عام 2022، وهو ما صرح به نتنياهو لاحقا.
غلاف الرواية

شخصية «ميرنا مسعد» استلهمتها من شغف الصحفية ماريان سعيد وقضيتها الوطنية

- شخصية «ميرنا مسعد» هي في الأصل الصحفية في جريدة الوطن «ماريان سعيد».. ما كواليس هذا الاختيار؟

ماريان سعيد صحفية استثنائية خصصت ملفات كاملة لقضايا فلسطين في جريدة «الوطن»، حياتها درامية وشغفها بالصحافة ملهم، بما أن البطل «سامر» صحفي، كان لابد أن يكون الفريق معه صاحب قضية، ميرنا لم تكن وليدة اللحظة بل تحولت من شخصية ثانوية إلى قطب محوري يلهم القراء ويبرز دور المرأة المحبة للوطن، ماريان كانت المصدر الأول وحلقة الوصل مع بقية المصادر، وثقتهم فيها سهلت عليّ الوصول للحقيقة.

- يظهر «أمين مفتاح كنيسة القيامة» بشخصيته الحقيقية في العمل.. ما أبعاد هذا الظهور؟
وجود قداسته شرف عظيم، والاقتراح جاء من ماريان سعيد لنقل تاريخنا العربي ووصف المقدسات الإسلامية والمسيحية، وجود الحسيني جواد أديب كان ثريا بنقل قصص الحجاج واحتماء المسلمات داخل الكنيسة من بطش الاحتلال، ما يجسد وحدة المصير، نقلتُ ذكرياته عن جده وصلاح الدين الأيوبي وحلم التحرير المتوارث، هو رجل أمين على تاريخه ويعتبر دوره تكليفا لا تشريفا، آثرتُ تخليد حواري معه كما هو ليمنح الرواية بعدا واقعيا وتصويريا حيا.

- ساهم الخبير الاستراتيجي «مهدي مطاوع» في تزويدك بتفاصيل دقيقة عن الشارع الفلسطيني.. كيف تصفين هذا التعاون؟
مهدي مطاوع شخصية عملية تعشق تراب غزة وهدفه حقن الدماء بعيدا عن الشعارات الرنانة، جلسنا لساعات وصف لي فيها تفاصيل الحياة، تجربة اعتقاله، ومصطلح «المختار» الذي يعني الرجل صاحب القيادة، وصف لي جرائم بشعة تتعلق بسرقة الأعضاء وتسليم جثث الشهداء بعد خياطتها وقفل أعينهم بالصمغ، حاولتُ صياغة هذه الفظائع من خلال قصة الحب، وكان ذلك تحديا روائيا كبيرا.

- توثيق قصص الشهداء الحقيقية لا بد أنه واجه صعوبات جمة خاصة مع انقطاع الإنترنت؟
جمعتُ قصصا لا تعد ولا تُحصى عن تعذيب الأسرى وقنص المدنيين، أثناء ضرب غزة، كان التواصل ينقطع لأيام، لكني صممت على نقل الحقيقة كقضية شرف، بعض الأسر شكلت مجموعات لنقل قصص شهدائها على أمل تخليدهم في كتاب منفصل، ساعدوني حتى في ضبط اللهجة الفلسطينية، هذه القصص لشهداء المقاومة الشعبية، وهي بعيدة عن المصالح السياسية؛ إنها قضية أرض وهوية.

- أشعرتِ بالخطر أثناء جمع هذه المعلومات الحساسة من الداخل الفلسطيني؟
بكل صدق، لم أشعر بالخطر على نفسي، بل كان القلق والذنب يلاحقني تجاه المصادر هناك، عندما كان ينقطع الإنترنت كنتُ أصلي الفجر داعية لهم بالسلامة، ردهم كان دائما: «لا تخافي، نلنا الشهادة»، شعب فلسطين شجاع لا يُقهر، أنا لا أتاجر بالقضية من أجل «البروباجندا»، بل أحب هذا الشعب وأقدس أرضه التي ذكرها الله في كتابه العزيز.

- هل «الليل مع فاطيما» مجرد حكاية عاطفية أم صرخة في وجه التزييف الثقافي؟
الرواية استنزفتني وبحثتُ فيها عن الإنسان المغترب وأمانة نقل القضايا للأجيال القادمة، نحن في زمن يُراد لنا فيه نسيان هويتنا تحت شعار «الديانة الإبراهيمية»، هناك مجنسون صهاينة ومجندون لخدمة الصهيونية يهدفون لتشويه الدين والتاريخ، في جامعاتهم يُدرّسون اللغة العربية ولهجاتنا بدقة في وقت نهجر فيه نحن لغتنا، الرواية تجسد هذا الصراع، فالصوت الإنساني لا يُنقل إلا عبر الحب والفقد والحرب من أجل من نحب.

مواضيع متعلقة