أستاذ علوم سياسية فلسطيني: «فصائل المقاومة» اضطرت إلى القبول بلجنة لإدارة «غزة» لتجنب العودة للحرب أو المجاعة الكاملة
أستاذ علوم سياسية فلسطيني: «فصائل المقاومة» اضطرت إلى القبول بلجنة لإدارة «غزة» لتجنب العودة للحرب أو المجاعة الكاملة
أكد الدكتور أسامة شعث، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية الفلسطينى، أن قطاع غزة واجه حرب إبادة جماعية، خلّفت مئات الآلاف من الشهداء والمصابين. وقال إن مصر من أكثر الدول الداعمة لفلسطين، ولولا موقفها الصلب والراسخ، لضاعت القضية الفلسطينية، وتم التهجير القسرى للفلسطينيين، كما اعتبر أن القاهرة هى الحاضنة الدائمة للقضية الفلسطينية والحاضرة دوماً.
أمريكا هى الداعم الرئيسى لإسرائيل.. وتحالفاتها فى المنطقة قائمة على حماية الاحتلال ودعمه المطلق
وأضاف «شعث»، فى حوار مع «الوطن»، أن إعلان واشنطن عن خطوات المرحلة الثانية من اتفاق غزة، يُؤسس لفرض واقع إدارى جديد، وتسريع عملية التنفيذ بالانتقال إلى مرحلة «اليوم التالى للحرب»، عبر تأسيس إدارة تكنوقراطية انتقالية، وتحاول الإدارة الأمريكية، من وراء ذلك، المضى قدماً فى الخطة، رغم «التلكؤ الإسرائيلى». وأوضح أن تشكيل لجنة «تكنوقراط» فلسطينية، هو أمر محل إجماع وتوافق لضمان القبول الدولى، وتفويت الفرصة على الاحتلال، ولكنه يرى أن مهمة هذه اللجنة «انتحارية»، ولا خيار أمامها سوى النجاح. وأكد أن نجاحها مرهون بالدعم الإقليمى والدولى، وقبول الفصائل الفلسطينية، إضافة إلى حجم التحديات على الأرض.
الشعب الفلسطينى بكل ألوانه الفصائلية وقواه المدنية والرسمية يثق فى القيادة المصرية وجهودها
وأشار أستاذ العلوم السياسية إلى أن الفصائل الفلسطينية وجدت نفسها مضطرة إلى القبول بهذه اللجنة، لتجنّب العودة إلى الحرب، أو المجاعة الكاملة، ولأنها تدرك أن بقاءها فى صدارة المشهد قد يزيد تعقيد الأوضاع، ولذلك فإنها فضّلت أن تتوارى مؤقتاً فى هذه المرحلة، بما يعود بالنفع لصالح شعبنا. وأضاف أنه لا أحد مع نزع سلاح فصائل غزة بهذه «الطريقة المهينة»، التى يريدها الاحتلال، وإنما شعبنا يريد سلاحاً وطنياً واحداً، تحت سلطة وحكومة واحدة، مؤكداً أن مقاومة الاحتلال ستستمر فى الأجيال الجديدة، وبأدوات مختلفة، فمستقبل القضية لا يتوقف عند شخص أو فصيل أو أيديولوجيا محدّدة، كما شدد على أن «قضية فلسطين» هى قضية كل العرب والمسلمين.. وإلى نص الحوار.
■ كيف تقرأ إعلان واشنطن عن خطوات المرحلة الثانية من اتفاق غزة؟
- الإعلان عن الانتقال إلى المرحلة الثانية هو جزء من خطة رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، دونالد ترامب، والمكونة من 20 نقطة لإنهاء الحرب، وفى الحقيقة هذا الإعلان تأخر كثيراً، بسبب الظروف الميدانية التى سبق أن توقعتها قبل إعلان الاتفاق فى أكتوبر الماضى، ولكن على أى حال هذا الإعلان يُؤسّس لفرض واقع إدارى جديد، وتسريع عملية التنفيذ بالانتقال إلى مرحلة «اليوم التالى» للحرب، عبر تأسيس إدارة تكنوقراطية انتقالية، فى الوقت ذاته، فإن واشنطن تحاول المضى قدماً فى الخطة رغم التلكؤ الإسرائيلى.
«الاحتلال» ظهر على حقيقته وسقطت «ورقة التوت» عن جرائمه وأصبح بلا «غطاء أخلاقى» بعد هجوم «أكتوبر 2023»
■ ما دلالة تشكيل لجنة تكنوقراط فلسطينية لإدارة الشئون المدنية فى القطاع؟
- أرى أن شعبنا الفلسطينى فى أمس الحاجة إلى تشكيل لجنة إدارية من التكنوقراط، بعيداً عن الفصائل والأحزاب، فكان قرار تشكيل اللجنة محل إجماع وتوافق، وذلك لضمان القبول الدولى، وتفويت الفرصة على الاحتلال، والانطلاق نحو المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، لبدء الإعمار وإعادة الحياة إلى قطاع غزة.
■ إلى أى مدى يمكن أن تنجح هذه اللجنة فى نقل المسئوليات المدنية من الفصائل الفلسطينية دون صدامات داخلية؟
- أعتقد أن اللجنة فى مهمة انتحارية، ولا خيار أمامها سوى النجاح، لأنه بقدر التحديات الكبيرة، هناك فرص محدودة للنجاح، وهذا النجاح فى الأساس مرهون بالدعم الإقليمى والدولى من جهة، والحاضنة الرسمية الفلسطينية والقبول الفصائلى لها من جهة ثانية، وحجم التحديات الداخلية والإدارية والميدانية على الأرض من جهة ثالثة، فرغم التوافق الفصائلى عموماً، وهو ما يُقلل احتمالات الصدام المسلح المباشر، فإن احتمالات المواجهة تبقى مفتوحة، خصوصاً أن الأرض مهيأة لأى «فلتان»، فى ظل انتشار مجموعات مسلحة كثيرة غير وطنية، كما أنه لا يوجد بديل لهذا الوضع يسمح لنا بفرض شروطنا، فنحن لا نملك زمام القرار فى ظل حالة التعقيدات، ولا نستطيع فرض البدائل على الأرض، لذلك الفصائل الفلسطينية وجدت نفسها مضطرة إلى القبول باللجنة، لتجنب العودة إلى الحرب، أو العودة إلى مجاعة كاملة، وللخروج من عنق الزجاجة، خاصة مع ربط إعادة الإعمار بوجود هذه الإدارة.
■ ما حجم الدور المصرى فى تهيئة الظروف السياسية والأمنية للانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق؟
- باختصار، لولا ثبات مصر على مواقفها لضاعت القضية الفلسطينية وتم التهجير القسرى، ولولا مصر لما توقّفت الحرب، ولولا تحركها الحثيث وإصرارها على الانتقال إلى المرحلة الثانية لما تشكلت اللجنة، فمصر هى الحاضنة الدائمة للقضية الفلسطينية والحاضرة دوماً، وهو ما ليس جديداً على مصر، وأنا أتقدم بألف تحية لمصر، حكومة وشعباً، وفى مقدمتها فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسى.
■ هل يمكن اعتبار إعادة فتح معبر رفح بالكامل نقطة تحول إنسانية وسياسية فى مسار الاتفاق؟
- نعم صحيح، فتح معبر رفح وفقاً لاتفاق ٢٠٠٥، الذى بموجبه تتولى السلطة الفلسطينية أمن وإدارة المعبر بالجانب الفلسطينى، مع وجود مراقبين دوليين من الاتحاد الأوروبى، يُعد أمراً بالغ الأهمية على المستوى الإنسانى الفلسطينى، لتمكين المواطنين من التنقل والسفر من وإلى غزة، فالمعبر هو شريان التواصل الوحيد مع العالم دون الاحتكاك المباشر مع الاحتلال، أما على الجانب السياسى، كما هو معروف، فإن إدارة المعابر تُعد من أهم مظاهر السيادة للدول، وبالتالى فتح معبر رفح تحت إدارة وسلطة فلسطينية يُعد بداية لتجسيد السيادة، حتى لو كانت سيادة ناقصة أو محدودة.
أمريكا تدير علاقاتها بنفسها دون الحاجة إلى «الاحتلال» كما كان فى الماضى تحت شعار «أمريكا أولاً»
■ هل يعكس هذا التحرك تحولاً فى الاستراتيجية الأمريكية تجاه إدارة الصراع فى غزة؟
- بالفعل، فهناك تطور واضح فى السياسة الأمريكية تجاه غزة، خصوصاً تعديل موقفها مبدئياً من التهجير، لكن هذا ليس تغييراً فى مسارها الاستراتيجى، فأمريكا قد تعدل مسارها وتغيره آنياً، لكن هذا لا يعنى أبداً التحول فى استراتيجيتها تجاه فلسطين وقضايا المنطقة، كما أن هناك تحولاً ملحوظاً الآن، وهو الوجود الأمريكى المباشر فى المنطقة، حيث أصبحت أمريكا تدير علاقاتها ومصالحها بنفسها دون الحاجة إلى الاحتلال كما كان فى الماضى، ودون الاصطدام معه، تحت شعار (أمريكا أولاً)، وطبعاً هذا لا يعنى تخليها عن الاحتلال وإنما يتعلق بخصوصية المصالح الأمريكية عن المصالح الإسرائيلية، فمثلاً أمريكا والاحتلال يتفقان على معاداة إيران، لكنهما يختلفان فى السياسة تجاهها، فأمريكا لها رؤيتها فى ملف إيران، وتختلف فيها عن الاحتلال.
«غزة» واجهت «حرب إبادة جماعية» خلفت مئات الآلاف من الشهداء والمصابين
■ كيف تنظر واشنطن إلى الدور المصرى فى رعاية وتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار؟
- الإدارة الأمريكية السابقة والحالية حاولت فى بداية الحرب فرض رؤيتها فى التهجير، وواصلت الضغط على مصر بالاقتصاد وخلق الأزمات الإقليمية، خاصة فى السودان وإثيوبيا للى ذراعها، لكنها اصطدمت بصلابة الموقف المصرى ورفضه التهجير أو التخلى عن القضية الفلسطينية، لذلك وأمام استمرار المعاناة الفلسطينية وتعاظم العزلة الدولية للاحتلال ومعه أمريكا، ورفض العروض والإغراءات المادية، فضلاً عن تجاهل ورفض الرئيس المصرى دعوة زيارة واشنطن، وأمام كل ذلك وثبات الموقف المصرى، لم تستطع واشنطن إلا أن تعدّل رؤيتها للحل فى غزة، استدراكاً منها أنه لا حل لقضية فلسطين بدون مصر.
اللجنة أمام «مهمة انتحارية».. ونجاحها مرهون بالدعم الإقليمى والدولى وحجم التحديات على الأرض.. ولن يتحقّق السلام قبل أن يصبح واقعاً حقيقياً فى دولة حرة ومستقلة
■ استضافت مصر اجتماعات الفصائل والقوى الفلسطينية، كيف يمكن أن يساعد الدور المصرى فى إنجاح المرحلة الثانية؟
- الشعب الفلسطينى بكل ألوانه الفصائلية وقواه المدنية والرسمية يثق فى مصر وجهودها، لأسباب كثيرة أهمها أن مصر تقف على مسافة واحدة من الجميع، وثانياً أن مصر هى الأكثر قرباً واتصالاً بفلسطين، خاصة مع غزة، ثالثاً لا يمكن فرض أى حل سياسى دون موافقة مصر.
■ القاهرة كانت دائماً رائدة فى ملف الإعمار.. كيف ستُنسق مصر بين الشركات المصرية والتمويل الدولى الذى تشرف عليه واشنطن فى ظل الإدارة الجديدة؟
- مصر لديها خبرة كبيرة فى الإعمار، وقبل ذلك استضافت مؤتمر الإعمار ٢٠١٤، كما أنها تُعد المنفذ العربى والدولى الوحيد مع غزة، مما يُسهل نقل المعدات والاحتياطيات العمرانية اللازمة.
■ كيف تنظر إلى مجلس السلام الدولى الذى أعلن عنه ترامب وسيكون من بين مهامه الإشراف على غزة؟
- هو مجلس وصاية ليس إلا، ولا يوجد أى توصيف آخر بالنسبة لى إلا ذلك، وقد سمّيته منذ اليوم الأول للفكرة القديمة (الانتداب والوصاية الدولية)، وكان المطروح حينها تونى بلير.
■ هل تراه حلاً مؤقتاً أم تقليصاً لدور السلطة الفلسطينية الشرعية مستقبلاً؟
- مجلس السلام يبدو ظاهره حلاً مؤقتاً، وتقليصاً لدور السلطة فى مراحله الأولى، وهناك صراع إرادات بشأن مستقبل غزة، والحل السياسى، فالسلطة تدرك خطورة تشكيل لجنة وتبعيتها للخارج أو انفصالها، فقد تكون من ضمن السيناريوهات المطروحة، خصوصاً أن واشنطن لا تريد التعاون أو الاعتراف بمنظمة التحرير، وهو أمر معلن ليس بالخفى.
■ هل هناك جداول زمنية وضعتها واشنطن لانتهاء مهمة اللجنة الانتقالية وتسليم غزة لسلطة فلسطينية دائمة؟
- لا توجد أى جداول زمنية للمرحلة الثانية، والأمر متروك لتقديرات مجلس السلام بمدى رضاه على إصلاح السلطة، دون تحديد أى جدول زمنى، إذن نحن أمام واقع جديد، ووصاية دولية نأمل أن تكون جادة للحل السياسى.
■ إعادة الإعمار تتطلب مليارات الدولارات.. هل سيربط البيت الأبيض تدفّق هذه الأموال بمدى التقدم فى ملف نزع السلاح بشكل حصرى؟
- هذا الأمر وارد وبقوة، فالمعد مُسبقاً أن الدول المانحة كانت وما زالت تضع شروطها فى كل عملية تمويل، ولذلك أعتقد أنه من المحتمل الربط الدائم بين مطالبات المجلس من جهة، وبين دعمه المالى والتقدم على الأرض من جهة أخرى.
■ كيف توازن واشنطن بين مطالب إسرائيل الأمنية الصارمة وبين الرغبة العربية فى رؤية «مسار سياسى» يؤدى فى النهاية إلى حل الدولتين؟
- تقوم السياسة الأمريكية على (سياسة إدارة الأزمات) وليس حلها، بحيث تتجاوب مع المطالب العربية دون المس بالثوابت الإسرائيلية، وبما لا يُهدد أمن الاحتلال كما يزعمون، فمثلاً فى مفاوضات أوسلو ١٩٩٣ تم تأجيل كل القضايا، إلى مرحلة الوضع الدائم، وفى ٢٠٠٠ تبنّت الموقف الإسرائيلى، وأيضاً خطة خارطة الطريق ٢٠٠٣ تطرّقت إلى دولة بحدود مؤقتة، ورغم أن الفلسطينيين قبلوها، إلا أن أمريكا لم تنفّذها، لأن الاحتلال لا يريد ذلك، فأمريكا إذن لن توافق على أى بند يتعارض مع مصالح الاحتلال، وبالتالى أمريكا لا توازن بين العرب وإسرائيل على أى مقياس، ولكنها تدير أزمات وتحاول إسكات أو إرضاء العرب، لذر الرماد فى العيون.
المقاومة الفلسطينية ستستمر فى الأجيال الجديدة بأدوات مختلفة ومستقبل القضية لا يتوقف عند شخص أو فصيل أو أيديولوجيا محدّدة
■ الدكتور على شعث وفريقه يواجهون قطاعاً منكوباً.. ما الضمانات التى قدّمتها الفصائل لعدم التدخّل فى عمل اللجنة، وكيف ستتعامل اللجنة مع إرث 20 عاماً من حكم حماس؟
- أرى أنه لا توجد ضمانات، وإنما يوجد تفهّم عميق بأن المرحلة صعبة جداً، والتراجع بخطوة للخلف قد يفتح مساراً جديداً على الأرض وينقذ المشهد الداخلى المدمّر، فالفصائل الفلسطينية تدرك أن بقاءها فى صدارة المشهد قد يعقّد الوضع، وهو ليس فى صالح شعبنا، ولذلك تواريها مؤقتاً فى هذه المرحلة لصالح إدارة التكنوقراط قد يكون أفضل ويعود بالنفع لصالح شعبنا فى غزة.
■ ماذا يحتاج قطاع غزة الآن؟ وكيف ترى الوضع الراهن؟
- الحقيقة أن هناك إبادة جماعية فى قطاع غزة، ورأينا كل فصولها على شاشات التليفزيون، هناك آلاف الشهداء والمصابين جراء العدوان البربرى والوحشى والإجرامى على الشعب الفلسطينى، وهناك مئات الآلاف من المنازل المدمّرة، التى دمّرت ما بين تدمير كامل وتدمير جزئى يصل إلى 80% من أجزاء المنازل وأساساتها، وبالتالى تكون غير صالحة للسكن والمعيشة الآدمية، وهناك تدمير كامل للمرافق الصحية والطبية والتعليمية والمؤسساتية، والطرق والنقل وخطوط المياه والكهرباء والاتصالات والبنية التحتية بشكل عام، وأقول بصراحة إن ما يحدث فى غزة إبادة وتطهير عرقى واضح يندى له الجبين.
■ المرحلة الثانية تشترط «نزع سلاح الفصائل»، هل اللجنة التكنوقراطية قادرة على إدارة هذا الملف الحساس، أم أنها ستكتفى بالأدوار الخدمية؟
- أعتقد أن اللجنة منوط بها القضايا الخدمية كافة، بدءاً بالإغاثة والإعمار والبنية التحتية والمؤسساتية، وصولاً إلى وحدة المؤسسات، وأعتقد أن موضوع نزع السلاح ليس اختصاصها، ولكن هناك رؤية لإعادة تشكيل المؤسسات الشرطية والأمنية، وربما الاستفادة من موظفى الوزارات السابقين، وإعادة هيكلة الوزارات دون الاستغناء عن أحد.
■ كيف يمكن تقييم تأثير السياسة الأمريكية فى عهد ترامب على القضية الفلسطينية؟
- بلا شك قضية فلسطين تتأثر بالسياسة الأمريكية على الدوام، فمنذ انفتاح العلاقات الفلسطينية مع واشنطن عام ١٩٨٩ إلى اليوم، لم تتغير سياسات واشنطن الاستراتيجية تجاه القضية الفلسطينية ومنظمة التحرير، وإن لاحظنا حالة المد والانفتاح بالعلاقات مع واشنطن فترة ما وتراجعها فترات أخرى، إلا أنه لم تتغير رؤيتها للقضية الفلسطينية، انطلاقاً من رؤيتها للصراع، واتفاقها مع الاحتلال فى كل شىء، بل إن واشنطن قرّرت أن تعادى منظمة التحرير الفلسطينية وكل الدول العربية المساندة لها، منذ اللحظة الأولى لتأسيسها، ولهذا فإن العلاقات والتحالفات الأمريكية فى المنطقة قائمة على حماية الاحتلال وإسناده ودعمه المطلق فى كل المجالات. وكل المشاريع والخطط الأمريكية تنطلق من الرؤى الإسرائيلية وتتطابق معها، سواء برؤيتها للدولة الفلسطينية ورفضها الاعتراف بها أو للاستيطان أو لقرارات الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين.
لا أحد مع نزع السلاح بالطريقة المهينة التى يريدها «الاحتلال»
■ واشنطن قررت بدء المرحلة الثانية دون ربطها المسبق بملفات معقّدة مثل نزع السلاح، هل هذا تراجع تكتيكى أم رغبة فى خلق «أمر واقع» سياسى سريع؟
- فى هذه الحالة لا يوجد تراجع أمريكى، بل هو رغبة فى خلق واقع جديد لا يسمح بعودة الحرب، ولكنه لا يؤدى إلى حل سياسى، فأمريكا تدرك أنه لا استقرار بدون حل سياسى يمنح الشعب الفلسطينى حقوقه الوطنية المشروعة، ولذلك تريد إبلاغ أصدقائها العرب بأنها انتقلت للمرحلة الثانية، والتى ستستمر سنوات، لكنها ستعمل على إطالتها أطول فترة ممكنة، لتراهن على قدرة الفلسطينيين على التحمل والصبر على البقاء فى أرضهم.
■ ما الضمانات التى تسعى مصر لانتزاعها لضمان عدم تهجير السكان تحت مسمى «الإعمار»؟
- تقود مصر جهوداً مكثفة للدخول أو الانتقال الفعلى لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة واشنطن على الأرض دون الانتقاص من الحقوق الفلسطينية، ومصر -من خلال التجربة- تدرك بالسوابق والشواهد السابقة أن الثقة بأمريكا تكاد تكون مفقودة، لكنها تراهن على حاجة ترامب إلى الإسناد العربى فى معركتها القادمة والمحتملة مع إيران، الأمر الذى يجعل أمريكا تنخرط مع مصر فى تنفيذ المرحلة الثانية، والضغط باتجاه تنفيذها على الأرض والبدء الفورى بالإعمار، وهو ما تسعى مصر إليه منذ ٧ أكتوبر، اعتماداً على مكانتها الإقليمية المهمة، كما تدرك واشنطن على اختلاف حكوماتها أنه لا يمكن تجاوز الدور المصرى.
شعبنا يريد سلاحاً واحداً «تحت سلطة واحدة»
■ ما العقيدة القتالية التى ستنتهجها «قوة الاستقرار الدولية» المقترحة؟ وهل ستكون قوة فصل فقط أم أداة لنزع السلاح بالقوة؟
- هناك ضبابية فى المشهد، وما يريده الشعب الفلسطينى والفصائل الفلسطينية أن تقوم قوة الاستقرار بالفصل دون التدخل بالشئون الداخلية، لأن ذلك قد يوتر الوضع، بينما قوة الاستقرار تريد أن تعمل داخل غزة، وهذا ربما يسبب توترات شعبية معها، وبالتالى هناك رؤيتان متناقضتان وفى رأيى أن الحل هو عودة قوات من الشرطة.
■ ما الفرق بين نزع السلاح الثقيل وشراء السلاح الخفيف من الفصائل؟ وهل هذا السيناريو قابل للتطبيق فى قطاع مدمر أمنياً؟
- بالنسبة لنزع السلاح، أعتقد أن هناك فهماً مغلوطاً فى قصة سلاح ثقيل وخفيف، لأن السلاح الخفيف هو السلاح الذى يسهل التنقل به ويمكن استخدامه من قِبل الأفراد والمجموعات، وهو الموجود فعلياً فى غزة، أما الأسلحة الثقيلة كالمدافع والطائرات والصواريخ الباليستية فهى غير موجودة إطلاقاً فى غزة، وكل ما هو موجود فقط أسلحة فردية خفيفة، أما مسألة نزع السلاح فلا أحد مع نزع السلاح بالطريقة المهينة التى يريدها الاحتلال، وإنما شعبنا يريد سلاحاً وطنياً واحداً تحت سلطة وحكومة واحدة وقانون وإدارة وطنية واحدة، لا أن يظل بأيدى الأفراد أو الفصائل، ويكون الأمن الداخلى مرهوناً بإرادة هذا الفصيل أو ذاك، إذن يجب نزع السلاح لصالح الحكومة والدولة الفلسطينية الواحدة، أما مسألة سلاح المقاومة فكل زمن وله أسلحته وأدواته، وبالتالى ستستمر المقاومة بأدوات مختلفة وأجيال جديدة، فمستقبل القضية الفلسطينية لا يتوقف عند شخص أو فصيل أو أيديولوجيا محدّدة، وإنما قضية فلسطين هى قضية الكل العربى والإسلامى وشرفاء وأحرار العالم، ولن يتحقق السلام قبل أن يصبح واقعاً حقيقياً فى دولة فلسطين حرة مستقلة.
■ كيف يمكن حماية مشاريع الإعمار الكبرى (بـ70 مليار دولار) فى بيئة لا تزال تشهد وجوداً عسكرياً للاحتلال فى محاور معينة؟
- تعريف الاحتلال بالأساس هو عمل إجرامى لا أخلاقى، وأينما يكون الاحتلال يحل الدمار والخراب، وبالتالى لا فائدة من الإعمار والتنمية قبل زوال الاحتلال، وكما هو معلوم أن «رأس المال جبان»، فلا يوجد مستثمر عاقل واحد يضع أمواله واستثماراته فى مناطق مشتعلة بالحروب، لذلك الاحتلال يرفض الامتثال للقانون الدولى ولا يؤمن بالسلام والاستقرار، الذى يؤدى للإعمار والتنمية.
■ كيف يصنّف القانون الدولى استمرار قصف «المناطق الآمنة» فى ظل اتفاق وقف إطلاق نار قائم؟
- هذه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ولا تسقط بالتقادم، لكن للأسف الاحتلال تمادى كثيراً فى جرائمه، ولا يوجد من يحاسبه، لأنه تحت الوصاية والحماية الدولية.
البيوت المتنقلة
أرى أن اتفاق وقف إطلاق النار أنقذ إسرائيل من السمعة القذرة التى لازمتها منذ قيامها واحتلال فلسطين ١٩٤٨، ولكنها كانت مغلفة بستار دولة الديمقراطية، لكن فى السنوات الأخيرة بعد تصاعد الإجرام فى الضفة والحصار لغزة، ومنذ بدء هجوم أكتوبر ٢٠٢٣، ظهر الاحتلال على حقيقته وجرائمه وسقطت عنه ورقة التوت وأزيل الستار والغطاء الأخلاقى عنه والذى لطالما تغنى به طوال عقود، فلم تعد جرائمه تخفى على أحد من سكان العالم، الأمر الذى أدى إلى تحول كبير فى الرأى العام العالمى، خاصة شباب الجامعات الأوروبية والأمريكية، وهذا يعنى مستقبلاً أن استمرار العدوان الوحشى سيؤدى إلى عزلة إسرائيل، التى بدأت إرهاصاتها تتزايد بشكل كبير مع زيادة الاعتراف العالمى بدولة فلسطين، لهذا أرادت واشنطن وقف الحرب لإنقاذ إسرائيل من العزلة، فتخف الضغوط والجرائم.
مجلس السلام
منذ البداية قلت إن هناك تبايناً فى الرؤى حول نهاية المشهد فى غزة وفلسطين، بين المجلس من جهة ولجنة التكنوقراط من جهة أخرى، وإذا وجدت اللجنة نفسها أنها تسير فى الاتجاه الخاطئ بما لا يخدم قضيتها وشعبها، فعليها التوقف فوراً لإجراء المراجعات الوطنية وإلا ستكون عاقبة الأمور إلى الأسوأ، فالمجلس ليس أهلاً للثقة كما أن السوابق التاريخية لم تشِ بعكس ذلك، فالأمريكان أبداً لم يكونوا أهلاً للثقة فى كل مشاريعهم، لأن هذه المشاريع كانت مستوحاة من الرؤية الإسرائيلية.