«الأزهر» يكشف عن أسباب «تحويل قبلة المسلمين».. متى تغيرت؟
«الأزهر» يكشف عن أسباب «تحويل قبلة المسلمين».. متى تغيرت؟
- الازهر الشريف
- مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية
- المسجد الأقصى
- الصلاة
- البيت الحرام
- بيت المقدس
- تحويل القبلة
- الكعبة المشرفة
- رسولُ الله
- الصحابة
- ليلة النصف من شعبان
- شعبان
- القبلة
كتب: أحمد محيي
بين قبلتين للمسلمين، أولهما بيت المقدس وآخرهما الكعبة المشرفة، حقائق وأسرار يكشف عنها المركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، في ضوء ما تردد من تساؤلات حول تحويل قبلة المسلمين في ليلة النصف من شهر شعبان الجاري 1447 هجريا.
القبلة الأولى للمسلمين
أكد مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، أن الله -عز وجل- أمر المسلمين في بداية أمرهم أن يستقبلوا المسجد الأقصى (القبلة الأولى) منذ فرض الصلاة في مكة المكرمة؛ وذلك لحكمة تربوية، وهي العمل على تقوية إيمان المؤمنين، وليظهر من يتبع الرسول اتباعًا صادقًا عن اقتناع وتسليم، ممن تعلق قلبه بدعاوى الجاهلية ورواسبها؛ فقد قال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِى كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} [البقرة: 143]، واستمر النبي ﷺ والمسلمون في التوجه إليه، طوال فترة العهد المكي، وبعد الهجرة إلى المدينة المنورة لمدة تتراوح بين 16 إلى 17 شهرا.
القبلة الثانية للمسلمين
وأوضح مركز الأزهر العالمي للفتوى، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام لصلاة الليل بالمدينة قلب وجهه في السماء قبل دخوله في الصلاة، يَوَدُّ لو صُرف عن المسجد الأقصى إلى البيت الحرام؛ محبة لموافقة سيدنا إبراهيم عليه السلام، وكراهة لموافقة اليهود، فتم تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة (القبلة الثانية) في مكة المكرمة في السنة الثانية للهجرة (624 ميلادي)، فالكعبة ليستْ مجردَ بناءٍ، بل هي قلبُ الأرضِ النابضُ بالإيمان، ورمزُ التوحيدِ منذ أن رفعَ إبراهيمُ وإسماعيلُ عليهما السلامُ قواعدها، حيث قال تعالى: ﴿وَإِذۡ یَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِـۧمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَیۡتِ وَإِسۡمَٰعِیلُ رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّاۤ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡعَلِیمُ﴾ [البقرة: ١٢٧].
متي تحولت القبلة
وتابع مركز الأزهر، أنه اختلفت الروايات في تحديد الشهر واليوم بدقة، فالرأي الأشهر ذهب إلى أنه كان في (ليلة النصف من شعبان)، كما ذكرت بعض المصادر أنه كان في منتصف شهر رجب، حيث نزل الأمر الإلهي أثناء الصلاة {قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبۡلَةٗ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥۗ} [البقرة: ١٤٤]، بينما كان النبي ﷺ يصلي في مسجد بني سلمة الذي عُرف لاحقاً بـ "مسجد القبلتين" في المدينة المنورة، وتحديداً في الركعة الثانية من صلاة الظهر (أو العصر في روايات أخرى).
أسرار تحول القبلة
أشار الأزهر، إلى أن حادث تحويل القبلة قد اشتمل على حكم ربانية جليلة، منها:
إستقلال وتمييز الأمة الإسلامية
فكان رسولُ الله ﷺ يصلّي إلى بيتِ المقدسِ ستَّةَ عشرَ شهرًا، أو سبعةَ عشرَ شهرًا، بعدَ الهجرة، طمعًا في إيمان اليهود واستمالتهم، ثم نزلَ الوحيُ الكريمُ بأمرِ التحوُّلِ إلى الكعبة لقطع دابر التبعية، بعد أن توهم البعض أن المسلمين سيظلون يدورون في فلك غيرهم، ولإعادةَ الصلةِ بالجذورِ الإبراهيمية، ولمنح الأمة المسلمة استقلالها التشريعي، وتأكيدًا على أنّ الإسلامَ هو الدينُ الخاتمُ الذي يُحيي ملةَ أبي الأنبياء عليه وعليهم السلام، حيث كان هذا التحوُّلُ إيذانًا بصلة الأمةِ بأصلِ الفطرةِ الإبراهيمية، وإعلانًا بأنّ الإسلامَ دينٌ مستقلٌّ، لا يتبعُ أهواءَ أهلِ الكتاب، بل يُعيدُ ترتيبَ العلاقةِ معهم على أساسِ الحقِّ لا المجاملة.
اختبار لطاعة المسلمين
لم يكن تحويل القبلة مجرد انتقال مكاني، بل كان زلزالاً إيمانياً يختبر صلابة القلوب؛ إذ وضع العقل البشري أمام تحدي التسليم المطلق، فكيف للمصلي أن يستدير في صلاته فجأة من جهة ألفها إلى جهة أخرى إلا إذا كانت بوصلة قلبه تتجه نحو "الأمر" لا نحو "الجهة"، ولقد كان هذا التحول فرزًا دقيقًا كشف معادن المؤمنين، فأظهر الصادقين الذين يقودهم الوحي، وفضح المترددين الذين تقيدهم العادة، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَتۡ لَكَبِیرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِینَ هَدَى ٱللَّهُۗ﴾ [البقرة: ١٤٣].
موقف الصحابة
حين أُمرَ النبيُّ ﷺ بالتوجُّهِ إلى الكعبةِ أثناءَ الصلاةِ، قدم الصحابة الكرام نموذجًا بشريًّا فريدًا في سرعة الاستجابة، فكان فعلهم تجسيدًا لذروة التسليم الذي يتجاوز منطق العادة أمام صراحة الوحي؛ ويتجلى ذلك بوضوح فيما ورد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبَلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ. [أخرجه البخاري في صحيحه برقم ٤٠٣]، ففي تلك اللحظة، لم ينتظروا حتى ينقضوا صلاتهم أو يتحروا العلة، بل داروا بأبدانهم وقلوبهم كأنهم جسد واحد، ليبرهنوا أن طاعتهم لله سابقة على كل مألوف، ويستحقوا بذلك الثناء والتمكين الذي خلده التاريخ.