«وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ»

آيتان كريمتان في سورة «الكهف» تحملان «أدباً عظيماً»، كما يقول «ابن كثير» في «البداية والنهاية»، يقول تعالى فيهما: «وَلَا تَقُولَنَّ لِشَىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً». تشتمل الآيتان الكريمتان على ثلاث فضائل، الأولى هي «تقديم المشيئة» قبل العمل، والثانية «ذكر الله» مع كل عمل، والثالثة التماس الرُشد في العمل والأداء من الخالق سبحانه وتعالى.

لا يخفى عليك أهمية تقديم المشيئة قبل الحديث عن أي عمل سوف يتم في المستقبل، فالإنسان لا يعلم ما تخبئ له اللحظات القادمة، ولا يدري هل سيعيشها أم لا؟ يقول «ابن كثير» في «البداية والنهاية»: «حث الله خلقه ما إذا قال أحدهم إني سأفعل في المستقبل كذا، فيشرع له أن يقول: إن شاء الله، ليكون ذلك تحقيقاً لعزمه، لأن العبد لا يعلم ما في غد، ولا يدري أهذا الذي عزم عليه مقدّر أم لا؟».

وتتعلق الفضيلة الثانية بضرورة أن يذكر الإنسان ربه حين ينسى، وقد يفهم البعض مسألة الذكر هنا على أن المقصود بها «ذكر اللسان»، «لأن النسيان قد يكون من الشيطان، وبالتالى فذكر الله يطرده عن القلب، فيذكر ما كان قد نسيه»، وهو فهم يصح ولا شك، لكن يبقى أن هناك دلالة أخرى لذكر الله ترتبط بـ«العمل»، فالإنسان لا بد أن يذكر الله تعالى في كل عمل يعمله، بمعنى أن يراقب الله تعالى ويتأكد أن ما يأتيه يرضيه سبحانه وتعالى، فكل سلوك يسلكه الإنسان لا بد أن يكون الخوف من الله حاضراً فيه، وعلى الإنسان إذا أنساه الشيطان ذكر ربه في ما يعمل أن يُذكّر نفسه به عز وجل.

وتتمثل الفضيلة الثالثة في الاستعانة بالله حين تختلط أمور الحياة على الإنسان، ويجد نفسه غارقاً في الحيرة أمام أكثر من اختيار، إنها الحالات التي تلتبس فيها الأمور على الإنسان، فلا يدرى الصواب من الخطأ. يقول «ابن كثير»: «وقوله: (وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً)، أي إذا اشتبه آمر وأُشكِل حال والتبس أقوال الناس في شىء فارغب إلى الله ييسره لك ويسهله عليك». كم من مواقف يعيش فيها الإنسان هذا الإحساس بالارتباك، ولا يستطيع أن يميز فيها الخبيث من الطيب، ولا الصالح من الطالح، ولا الجيد من الرديء، إنها الحالة التي تذوب فيها الحدود الفاصلة بين الأشياء المحيطة بالإنسان في الواقع، وتختلط الرؤية ويزيغ البصر ويتعطل الفؤاد عن الإحساس الموضوعي والدقيق بالأشياء، تلك الحالة التي يكون فيها الإنسان أحوج ما يكون إلى نور الهداية وإلى نقطة ضوء تهديه إلى سبيل الرشاد، لتتسم اختياراته بالتوفيق والسداد.

ما أشد حاجة الإنسان لأن يعمل بكل فضيلة من هذه الفضائل الثلاث حتى تصفو نفسه وترشد أفعاله وتستقيم حياته.