شيخ الأزهر والمرأة
الكلمة التاريخية التي ألقاها فضيلة شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب في افتتاح مؤتمر (استثمار الخطاب الديني والإعلامي وأثره على حماية وتعزيز حقوق المرأة في دول منظمة التعاون الإسلامي)، الذي عقد منذ عدة أيام، والتي استعرض فيها فضيلته ما تتعرض له المرأة عبر حقب زمنية ومفاهيم خاطئة وظلم بيّن، حتي جاء الإسلام وكرّمها ورفع من قدرها، وقد استشهد فضيلته بعدد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي توصي بالنساء وتضعهن في المكانة التي يرضي عنها الله ورسوله، وكيف سبق الإسلام بما أقره للمرأة المسلمة مثيلاتها في شرائع وأنحاء أخرى من العالم، فملََّكها حق الإرث وحق التعليم وحق اختيار الزوج وحقها في ذمتها المالية والاحتفاظ باسم عائلتها، وكيف ساوى الإسلام بينها وبين الرجل في التكليف وفي تحمل المسؤولية وفي حق الانفصال والطلاق والخلع. ليس هذا فحسب بل لقد ذكر فضيلته الحديث النبوي الشريف الذي قال فيه رسول الله صلي الله عليه وسلم: «لو كنت مفضلاً أحداً لفضلت النساء على الرجال».
كما أشار فضيلة شيخ الأزهر إلى أنه على الرغم من امتلاك الأمة الإسلامية كل هذه الكنوز التي تكفل رقي المرأة وتأمينها، فإن وضع المرأة لا يزال غريباً على الإسلام، وقد فسر فضيلته ما أصبح عليه هذا الواقع بطغيان العادات والتقاليد والعرف الموروث وتغلبه على هدي التشريعات القرآنية والنبوية، وهو ما يشبه السير في الاتجاه المعاكس، وقد نتج عنه ثقافة شعبية جعلت من المرأة المسلمة أنموذجاً للضعف والانزواء واعتياد المظالم والصبر عليها، في الوقت الذي كسرت فيه مثيلاتها في الشرق والغرب كل هذه القيود.
كذلك أشار فضيلة الإمام إلى قضيتي التعدد والطلاق وكيف ابتعد المسلمون بعداً ظاهراً عن أحكام الشريعة في مراعاة إنسانية المرأة ومراعاة مشاعرها، وقد تلى قرارات صدرت عن هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، منها وجوب مساواة المرأة بالرجل في الحقوق والواجبات، والتأكيد على حق المرأة في الميراث وعدم المساس بنصيبها، ورفض الدعوات بالمساواة بين الرجل والمرأة في الميراث، ولا يحق للولي منع تزويج المرأة برجل كفء ترضاه إذا لم يكن للمنع سبب شرعي مقبول، ويجوز تقلد المرأة كافة الوظائف التي تصلح لها بما فيها الوظائف العليا بالدولة، كما يجوز للمرأة السفر بغير محرم متي كان السفر آمناً، وأن القوامة لا صلة لها بتفضيل الرجل على المرأة وليست سلطة استبدادية للزوج بل هي مسؤولية تامة، وتحريم العنف بكل أشكاله وضد المرأة بصفة خاصة، وعدم المغالاة في المهور، وتحريم التعسف في الطلاق.
تعد كلمة فضيلة شيخ الأزهر هذه من أهم ما قيل في حقوق المرأة التي تم إهدارها على مدى عقود، على يد أطراف عديدة، شاركت بوعي أو غير وعي، متعمدة أو غير متعمدة، فهذه الكلمة تعد ثورة على الأفكار البالية التي لا تمت للدين الإسلامي السمح بأي صلة، وإنما هي مؤامرة مدبرة لا تخلو من التعمد لتشويه حياة المرأة المسلمة وتشويه صورتها عبر قرون مضت حصرتها فيما يشبه حياة الإماء وليس الحرائر.
وجاءت كلمة فضيلة الشيخ أحمد الطيب لوضع الأمور في نصابها لتعيد للمرأة المسلمة جزءاً من حقوقها المسلوبة، وإذا كنا نوجّه تحية كبيرة إلى شيخ الأزهر على خطبته الخالدة، فإننا في المقابل نعلم أن دور فضيلته لا يتوقف عند إلقاء هذه الكلمة، لكنه دور ممتد إلى تغيير الفكر الذي أدى إلى هذا الوضع الرجعي الظالم، والقائم حتى يومنا هذا وتشهد عليه ساحات المحاكم وأبواب البيوت المغلقة على كثير من السلبيات التي ذكرها فضيلته، وتغيير هذا الفكر يبدأ من حملة مدروسة تستهدف الأئمة ورجال الدين من خريجي جامعة الأزهر والمعاهد الأزهرية والإعلام وحتي التعليم العام، فرسالة الأزهر لا تتوقف على كلمة في مؤتمر حتى إن كنا نقدرها ونثمنها وندرك قيمتها، لكننا ما زلنا ننتظر ما هو أكثر.