إن التحركات الأخيرة المتعلقة بملف الإخوان في الغرب لا نستطيع اعتبارها وليدة اللحظة، أو رد فعل على إقرار الحكومة الأمريكية الإخوان جماعة إرهابية؛ وليس من الصعب ملاحظة أن ملف جماعة الإخوان عاد إلى الواجهة في أكثر من عاصمة غربية في توقيت متقارب.
الوقائع المؤكدة تقول إن فرنسا تحرّكت من داخل سياقها الخاص، الدولة الفرنسية، بتاريخها المركزي الصارم وحساسيتها الشديدة تجاه أي تنظيم يعمل داخل المجتمع خارج إطار الدولة، تنظر منذ سنوات بقلق إلى ما تصفه بـ«الإسلاموية السياسية». ذلك القلق لم يبدأ مع الإخوان، لكنه تبلور حولهم، باعتبارهم نموذجاً لتنظيم أيديولوجي يعمل عبر الجمعيات، والتعليم، والعمل الأهلي، من دون أن يعلن نفسه حزباً تقليدياً أو يخضع لقواعد اللعبة السياسية الصريحة.
التحرّك الفرنسي الأخير، سواء في البرلمان أو عبر خطاب وزارة الداخلية، لا يعني قراراً قانونياً نهائياً، لكنه يعكس تشخيصاً واضحاً: وجود تنظيم عابر للحدود، ذي مرجعية أيديولوجية واحدة، داخل المجتمع الفرنسي، بات يُنظر إليه باعتباره مسألة تتعلق بالأمن الاجتماعي والسياسي، لا بحرية العمل العام فقط..
في المقابل، تقف الولايات المتحدة في نقطة مختلفة، لكن ليست بعيدة. واشنطن لم تُقدِم حتى الآن على قرار حاسم بتصنيف الإخوان في الداخل الأمريكي، لكنها غيّرت لغتها وأدواتها. لم يعد التنظيم يُقدَّم داخل المؤسسات الأمريكية بوصفه «إسلاماً سياسياً معتدلاً» أو شريكاً محتمَلاً في إدارة الأزمات، بل كشبكة تحتاج إلى تدقيق: في التمويل، في العلاقات، وفي طبيعة الامتدادات العابرة للحدود. هذا التحول لا يُعبَّر عنه بخطابات حادة، بل بإجراءات بطيئة، مؤسسية، ترفع كلفة الحركة من دون إعلان حرب سياسية.
وهنا تظهر نقطة الالتقاء الحقيقية بين باريس وواشنطن. لا يوجد دليل على تنسيق مباشر، ولا بيانات مشتركة، ولا قرار موحّد. لكن يوجد تشابه في التشخيص. الطرفان ينظران إلى الإخوان بوصفهم تنظيماً لا ينتمي بالكامل إلى الدولة الوطنية، ولا يعمل كحزب سياسي تقليدي، بل كشبكة أيديولوجية طويلة النفس، تستفيد من المساحات الرمادية في القانون والمجتمع.
كذلك يوجد تقاطع في الأدوات. فرنسا تتحرك عبر القانون الداخلي والرقابة على الجمعيات، والولايات المتحدة تتحرك عبر التدقيق المالي والقانوني العابر للحدود. الأدوات مختلفة، لكن الهدف واحد: تضييق المساحات التي تسمح لتنظيم غير وطني بالعمل بحرية داخل مجتمعات وطنية.
الأهم أن التأثير الأمريكي هنا ليس بالضرورة تأثير قيادة، بل تأثير مناخ. حين تغيّر واشنطن موقفها من تنظيم ما، حتى من دون قرار صاخب، فإن ذلك ينعكس تلقائياً على أوروبا. ليس لأن أوروبا تتلقى أوامر، بل لأن الولايات المتحدة تظل مرجعاً أساسياً في تعريف ما هو «مقبول» وما هو «إشكالي» في النظام الدولي.
بالنسبة لتنظيم الإخوان، ذلك التحول مزدوج الخطورة. التنظيم بُني تاريخياً على معادلة دقيقة: ضغط أو حظر في الداخل، يقابله هامش حركة في الخارج. حين يضيق الداخل والخارج معاً، لا يحدث انهيار فوري، لكن يحدث اختلال بنيوي. التمويل يصبح أصعب، الخطاب يفقد توازنه، والانقسامات الداخلية تطفو على السطح. التنظيم يتحول من مشروع سياسي إلى كيان يريد البقاء.
الخلاصة أن ما نشهده ليس حملة منسقة بقدر ما هو مناخ غربي جديد. مناخ أقل تسامحاً مع التنظيمات الأيديولوجية العابرة للحدود، وأكثر ميلاً إلى حماية الدولة الوطنية، بوصفها الوحدة الأساسية للنظام الدولي. في هذا المناخ، يواجه تنظيم بلا دولة سؤالاً صعباً: كيف يستمر في عالم لم يعد يرى فيه قيمة، ولا يوفر له المساحات التي اعتادها؟
هذا السؤال، لا القرار الفرنسي وحده، هو ما يستحق المتابعة في المرحلة المقبلة.