أشرف غريب يكتب: عرائس أم كلثوم في موسم «تريند» الست
أشرف غريب يكتب: عرائس أم كلثوم في موسم «تريند» الست
لا تزال كوكب الشرق أم كلثوم حديث الناس، أو كما يطلق عليه في زماننا «تريند» هذه الأيام، رغم انتهاء عام الاحتفال بخمسينية رحيلها، ربما بفعل الجدل الواسع الذى أحدثه عرض فيلم «الست» لمؤلفه أحمد مراد ومخرجه مروان حامد قبل نهاية 2025، فأعطى سيرتها مزيدًا من الزخم، وإن كانت أم كلثوم ليست بحاجة إلى أسباب، فهي تمثل واحدة من أبرز اهتمامات الناس في كل زمان، وفي كل مكان على امتداد وطننا العربي الكبير.
في الدورة الأخيرة لمعرض القاهرة الدولي للكتاب وُجد على أرفف المعرض أربعة كتب جديدة على الأقل عن سيدة الغناء العربي، أحدها كان لكاتب هذه السطور، فضلًا عن ثلاثة كتب صدرت في دورة العام الماضي 2025 وثلاثة أخرى في القاهرة وأبوظبي وبيروت خلال السنة الماضية، ما يعنى أن عشرة كتب على الأقل عن أم كلثوم صدرت في عام واحد بين يناير 2025 ومثيله في 2026، ولا أظن أن اسمًا آخر في حياتنا الثقافية والفنية قد نال هذا الاهتمام البحثي في تلك المدة القصيرة، في إشارة لا يخطئها إلا كل مُغرض إلى تلك المكانة الرفيعة التى تمتعت بها -ولا تزال- سيدة الغناء العربي أم كلثوم.
وعلى المستوى الدرامي إذا كان فيلم «الست» قد نال كل الأضواء والاهتمام، فإن هناك عملًا دراميًا آخر بما توفر له من إمكانيات بسيطة عوّضه حماس وإخلاص من وقفوا خلفه كان يجاهد كي تصل رسالته إلى جمهوره المستهدف، وهم أطفال مصر، نعم أطفال مصر الذين ربما لم يسمعوا في سنى حياتهم القليلة عن اسم هذه السيدة التي أتت من ريف مصر لتقف فوق قمة الغناء العربى ماضيه وحاضره ومستقبله أيضًا، وأعنى عرض العرائس «أمل حياتي.. سيرة في حب أم كلثوم» الذى أنتجته أكاديمية الفنون وشاركت في تأليفه كل من هدير هشام ونهاد شاكر التى تولت أيضًا إخراج هذا العمل المهم.
وقد لفت انتباهي في عرض العرائس «أمل حياتى»، إلى جانب تضافر العناصر الفنية من تحريك وديكور وتصميم عرائس وموسيقى وإضاءة وأداء صوتي، هذا الجهد البحثي الدقيق بحثًا وراء صحة المعلومة وتنوعها، ثم توظيفها في المكان المناسب في تتابع غير مُخل أو مُمل، ومن ثم جاء كثير من معلوماته منضبطة متماسكة، لا سيما في تاريخ السابع من ديسمبر 1972 الذى غنت فيه كوكب الشرق أغنية «ليلة حب» من ألحان الموسيقار محمد عبدالوهاب، والذى اتخذته نهاد شاكر نقطة انطلاق في سرديتها السمعية والبصرية كى ترتكز عليها في عرض سيرة حياة كوكب الشرق، بعكس تلك النقطة المائعة وغير الدقيقة التي اعتمد عليها صُناع فيلم الست في سرديتهم الفيلمية.
وأنا هنا لست معنيًا بالمقارنة بين عملين بينهما كثير من الاختلاف في الوسيلة والمحتوى والدوافع بقدر امتناني لتلك الجهود الفردية في إنجاز هذا العمل دون تعالٍ على جمهور هم في النهاية أطفال يستكشفون للمرة الأولى عالم هذه السيدة التي كانت، بلا شك، جزءًا أصيلًا من تاريخ مصر في مرحلة من أشد مراحل تاريخها حساسية واضطرابًا، يكفي القول إن صُناع «أمل حياتي» قد تجاوزوا بنجاح لافت تحديًا كبيرًا تمثَّل في كيفية تقديم ـ في ساعة فقط ـ سيرة حياة امرأة عاشت قرابة سبعة وسبعين عامًا مشحونة بكثير من الأحداث على المستويين الفني والوطني دون جور أو ارتباك في معالجة بسيطة تحترم عقلية الطفل ولا تتعالى عليه، وتقدم له في الوقت نفسه ثراء سمعيًا لبعض من أغانى الست ربما يعلق بعضها في آذان عدد ممن شاهدوا العرض ويخرجون يبحثون عن ذلك الغناء الأصيل الذى كانت تقدمه كوكب الشرق وكل مطربي زمانها، فنكسب بذلك مستمعين جددًا يكونون في المستقبل القريب حائط صد منيعًا ضد ما هو غث وردئ في عالم غناء هذه الأيام.
غير أن أهم ما يستلفت الانتباه في عرائس «أمل حياتي» أنها قدمت لهذا النشء المقبل على الحياة تجربة إنسانية ملهمة لنبتة أصيلة من قاع ريف مصر استطاعت أن تتسلح بالإرادة والموهبة والثقافة والإيمان بثوابت أمتها، فصنعت لنفسها مجدًا لا يدانيه أي مجد، وتاريخًا سيظل يحظى بالاهتمام والاحترام أبد الدهر، تجربة ملهمة تصح أن تكون النموذج الأمثل الذى يجب أن يضعه أمامه كل باحث عن النجاح، ليس فقط في عالم الفن والإبداع، وإنما في شتى مجالات الحياة.
فشكرًا لأكاديمية الفنون التي أنتجت هذا العمل الممتع، وشكرًا للمخرجة نهاد شاكر وفريق عملها، وربما تكون ردود الفعل المرحبة بـ«أمل حياتي» عاملًا مشجعًا على تكرار التجربة مع رموز مصرية أخرى، وهم كثر، فأطفالنا اليوم في أمسّ الحاجة إلى تلك النماذج الملهمة التي تقدم لهم القدوة والمثال على أنه لا مستحيل مع الإرادة، وأن هذه الأرض الطيبة قادرة دائمًا على أن تنبت أبطالًا حقيقيين في شتى مجالات الحياة.