يسرا زهران تكتب: القطب الشمالي.. الصراع العالمي الجديد على «قمة الأرض»

كتب: محرر

يسرا زهران تكتب: القطب الشمالي.. الصراع العالمي الجديد على «قمة الأرض»

يسرا زهران تكتب: القطب الشمالي.. الصراع العالمي الجديد على «قمة الأرض»

مَن يسمع عنه ليس كمن رآه، ومن رآه ليس كمن عرف ما الذى يكمن تحت سطحه. من يتخيل أنه لا يزيد على كونه مجرد مساحات هائلة من الثلوج الأزلية البيضاء، تمرح فوقها الدببة وغيرها من الحيوانات القطبية، ليس كمن يدرك أن هذه الثلوج تذوب لتكشف عن كنوز هائلة من الثروات الطبيعية، وتفتح طرقًا بحرية تغير من سير الملاحة العالمية، لتتصارع عليها «الدببة» السياسية والاقتصادية التى تريد السيطرة على النظام العالمى الجديد. مَن يظن أن القطب الشمالي مجرد كتلة ساكنة، هامدة، تقبع بعيدًا عن ضجيج الصراعات والحروب الدائرة على الأرض، معزولة ببرودتها وحدودها غير الواضحة التى لا يعرف الكثيرون نقطة بدايتها وانتهائها، لا يدرك أن تغيرات القطب الشمالي، ومنذ ملايين السنين، تؤثر في كل ما يحدث على الأرض، وحتى في حركة دورانها حول الشمس. واليوم، في تلك المنطقة الواقعة في أقصى شمال الكرة الأرضية، التى كان الرحالة القدامى يظنون أنها النقطة التى تنتهى عندها حدود العالم لتنفتح من ورائها حدود الكون، واشتهرت قديمًا باسم «قمة الأرض»، تتجمع الخيوط بثبات وبطء لا يختلف عن ثبات ذوبان الجليد فيها، وتتعقد لتشكل بؤرة جديدة للصراعات العالمية بين القوى العظمى، والدول الصاعدة ذات الطموح، على خلفية أزمة لم يسبق لها مثيل للتغير المناخى، في حرب جديدة على الموارد والأراضى والبحار، تشتعل بينما الطبيعة نفسها تزأر في أزمات مناخية وبيئية لا يبدو أنها ستنتهى.

تتشابك تلك الخيوط في حسابات سياسية معقدة، بين دول تبحث عن زيادة رقعة نفوذها الجغرافي ، والحصول على مكاسب على طاولة المفاوضات والحسابات السياسية، وبيئة تهدد بقلب هذه الطاولة على رأس جميع اللاعبين لتغير حرفيًا من شكل الحياة على الكرة الأرضية، لو لم ينتبه سكانها للخطورة الحقيقية للتغير المناخى، قبل فوات الأوان. وعلى «قمة الأرض» يتجدد الصراع مرة أخرى بين مَن يريدون احتلالها، للتحكم في مصير ما يتبقى من الأرض!

في تلك المنطقة، توجد قوى عظمى مثل روسيا، لا تتردد في إظهار قوتها أمام جيرانها. تفرض سيطرتها على المناطق التابعة لها في القطب الشمالي وتضع قدمها بثبات في قمة النظام العالمى الجديد، مرة بلغة المصالح ومرة بلغة الحديد والنار. جوارها قوى عظمى أخرى لا تملك وجودًا جغرافيًا في منطقة القطب الشمالي، لكنها تسعى للوجود فيه كدولة «شبه قطبية»، تحت غطاء الاستثمارات والتعاون الدولى والبحث المشترك لمواجهة التحديات التى تواجهها هذه المنطقة المؤثرة في العالم كله وعلى رأسها التغير المناخى.

على رأس هذه الدول «المتعاونة» تأتى الصين، بتحالفاتها مع القوى المؤثرة في القطب الشمالي، خاصة روسيا وطموحها للانتفاع بطرق الملاحة التجارية الجديدة التى تنفتح مع ذوبان الجليد فيه.

يسرا زهران

إلى جانبهما تأتى قوى عظمى ثالثة، لا يعجبها التقارب الروسي الصيني الذى يبدو أنه يصل إلى ذروته في القطب الشمالي، وتريد أن تضمن لنفسها سيطرة أكبر فيه ولو بكسر كل القواعد الدولية المتعارف عليها، كما يفعل الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» بإعلانه المتكرر عن رغبته في السيطرة على جزيرة محورية في المنطقة القطبية الشمالية، هي جزيرة «جرينلاند».

بين هذه القوى العظمى، توجد قوى أخرى «وسيطة»، لا تخفي اهتمامها بالمنطقة القطبية الشمالية، وترى في ثرواتها الطبيعية من غاز وبترول ومعادن بما فيها المعادن النادرة، موردًا للثراء لا يمكن تجاهله ولا التفريط فيه، وفي طرقها الملاحية التي ستعيد تشكيل مسارات الشحن وسلاسل الإمداد بين قارتي أوروبا وآسيا من الآن وحتى منتصف القرن الحالي (وهو الوقت الذى سيصل فيه ذوبان الجليد في القطب الشمالي إلى أقصى مدى متوقع له)، مجالًا لا يمكن تركه لاستثمارات من جانب واحد ولا حتى لسيطرة القوى العظمى التقليدية. ضمن هذه الدول «الوسيطة» التي تهتم بالقطب الشمالي حتى لو لم تكن موجودة جغرافيًا ضمن نطاقه تأتى الهند، وبريطانيا، والإمارات العربية المتحدة، واليابان، وكل منها له طريقته وأسلوبه في شق الطريق وسط ثلوج القطب الشمالي، التي تذوب مرة بسبب التغير المناخي، ومرة بسبب الحرب الباردة الجديدة التي يبدو أنها تشتعل على سطحه.

تحركات «موسكو» العسكرية

حتى وقت قريب، كان الأمر يبدو كأن ما يحدث في المنطقة القطبية الشمالية لا يعنى إلا الدول الواقعة على حدودها. هى ثمانى دول: كندا والسويد وفنلندا وأيسلندا والنرويج والدنمارك، ذات السيادة على جزيرة «جرينلاند» التى قلب الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» رأس أوروبا والعالم بسببها، وتعد الولايات المتحدة أيضًا من دول المنطقة القطبية الشمالية من خلال ولاية «ألاسكا» التى قامت بشرائها يومًا ما من روسيا، كما يريد «ترامب» شراء «جرينلاند» في فترته الرئاسية الثانية.

وبالإضافة إلى تلك الدول السبع، وأمامها أو ضدها، تأتى الدولة صاحبة النفوذ الأكبر في القطب الشمالي حتى اليوم: روسيا.

بمجرد أن اندلعت الحرب الروسية ضد أوكرانيا، تغير شكل القطب الشمالي. بدا الأمر كأنه قد انقسم تلقائيًا إلى نصفين: نصف روسى وآخر غربى من الناحية الجغرافية وأيضًا من ناحية التوزيع السكانى. أكثر من ٥٠٪ من مساحة الأرض الواقعة في شمال الدائرة القطبية تقع تحت السيادة الروسية، كما أن ثلثى سكانها البالغ عددهم ٤ ملايين نسمة يعيشون في الجزء الروسى من القطب الشمالي، وهو أيضًا الجزء الذى يعتبر أكثر تمدنًا وتقدمًا من الناحيتين الصناعية والاقتصادية (حيث تتركز فيه أغلب الأنشطة الاقتصادية) عن النصف الآخر الذى يضم الدول السبع الأخرى في المنطقة القطبية الشمالية.

لم يكن القطب الشمالي على الدوام ساحة للمواجهة بين النصفين الروسي والغربي. في الفترة التي أعقبت سقوط الاتحاد السوفيتي، كان هناك نوع من التعاون والتنسيق بين الدول الثماني من خلال هيئة دولية تضمها جميعًا وتعرف باسم مجلس المنطقة القطبية الشمالية. كانت تلك الهيئة تهتم أساسًا بالأبحاث المتعلقة بالتغير المناخي في هذه المنطقة وكيفية استثمار الموارد الطبيعية فيها دون التأثير على حياة المجتمعات السكانية من حولها. إلا أن مَن يتابعون ملف التطورات والتوترات في القطب الشمالي من كثب، أصبح لديهم رأي شبه متفق عليه: أن أي تعاون أو تنسيق بين دول المنطقة القطبية الشمالية لا يمكن أن يتم إلا عندما تكون روسيا في حالة من الضعف، كما كانت الحال في فترة التسعينات إثر انهيار الاتحاد السوفيتي، عندما أصبحت «موسكو» أكثر انفتاحًا وتقبلًا لفكرة التعاون مع باقي الدول المجاورة لها.

ولكن، منذ بداية الألفية الثانية، ومع ظهور الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» ليأخذ بزمام الأمور في البلاد، بدأ ذلك التعاون في التراجع مع تقدم روسيا في سعيها لاحتلال مكانتها بين القوى الكبرى كما كانت عليها الحال في عهد الاتحاد السوفيتي.

والواقع أن «بوتين» عرف جيدًا كيف يستغل موقع ومكانة بلاده باعتبارها أكبر الدول الواقعة ضمن دائرة المنطقة القطبية الشمالية كي يضخ استثمارات هائلة في مجالات التنقيب عن الغاز والبترول في المنطقة القطبية، بالإضافة إلى موارد الثروات المعدنية والمعادن النادرة، التي تعد المكون الرئيسي لكل تكنولوجيا الاتصالات والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة التي يعتمد عليها العالم في انطلاقه نحو المستقبل.

وهكذا فإن وجود روسيا «قوية» يعنى أن القطب الشمالي لا يمكن أن يهدأ، ولا يمكن للعالم أن يستريح.

أحد أصحاب الرأى السابق هو الباحث البريطاني«كلاوس دودز»، أحد أساتذة الجغرافيا السياسية الذين يحظون بثقة دوائر صنع القرار في بريطانيا وأوروبا، والذى أصدر مؤخرًا كتابًا عن مستقبل الصراعات والتوازنات العالمية في القطب الشمالي، حمل عنوان «غير مجمد: النضال من أجل مستقبل القطب الشمالي»، وصدر ضمن مطبوعات جامعة «ييل» الأمريكية.

كان «دودز» يريد أن يكون كتابه عبارة عن دراسة متعمقة لتلك المنطقة المؤثرة في مسار الكرة الأرضية دون أن يختزلها في منطقة المعارك والحروب. كان يرى أن الصراعات الجيوسياسية فيها هي جزء من طبيعتها التي تتغير مع ذوبان الجليد فيها، إلا أن التغيرات المناخية والبيئية الناجمة عن قطب شمالي «غير مجمد» لا تقل أهمية ولا تأثيرًا عنها. ألف «دودز» الكتاب بالتعاون مع «ميا بينيت»، وهي واحدة من أهم الباحثين في مجال الخريطة البيئية ومجتمعات السكان الأصليين في المنطقة القطبية الشمالية، وهى المجتمعات التي أصبحت تشكل صوتًا لا يمكن تجاهله في أي قرار يتعلق بمصير المناطق القطبية الشمالية، كما ظهر بوضوح مؤخرًا في أزمة جزيرة «جرينلاند».

حتى يمكننا أن نفهم السبب الذى يجعل الرئيس الأمريكي يطالب بسيطرة بلاده بأي شكل على جزيرة «جرينلاند»، واتهامه للدنمارك ذات السيادة الحالية عليها بأنها لا تقوم بما يكفي لصد النفوذ الروسي والصيني في منطقة القطب الشمالي، لا بد علينا أولًا أن نلقي نظرة على الطريقة التي يتحرك بها الرئيس الروسي في تلك المنطقة حتى أثار جنون أمريكا والغرب إلى هذا الحد.

وفقًا لكتاب «كلاوس دودز«و«ميا بينيت»، فإن روسيا ترفع من قدراتها العسكرية في القطب الشمالي بشكل لافت للنظر، وأجرت عشرات المناورات والتدريبات العسكرية في منطقة بحر «بيرينج» الذى يفصل بين «سيبيريا» الروسية و«ألاسكا» الأمريكية، ومن ضمنها مناورات مشتركة مع الصين منذ عام 2023.

كانت تحركات «موسكو» العسكرية مصممة بدقة لإظهار الهيمنة الروسية على القطب الشمالي، خاصة حول شبه جزيرة «كولا» المتاخمة لحدود الدنمارك وفنلندا (كلتاهما ضمن أعضاء حلف «الناتو»). في تلك الجزيرة، يوجد الأسطول الشمالي للبحرية الروسية، بغواصاته النووية التي تحمل صواريخ باليستية عابرة للقارات، وتعد من الأعمدة الرئيسية لقوة الردع النووي الروسي، وغيرها من المعدات والوحدات القتالية الجاهزة للحرب برًا وبحرًا وجوًا. وأظهرت روسيا هيمنتها أيضًا أمام النرويج في 2022، عندما أعلنت عزمها زيادة نشاطها العسكري داخل وحول أرخبيل «سفالبارد» المجاور للنرويج، والذى يبدو أنه يقع في نطاق طموحات توسع النفوذ الروسي، وقد يتم ضمه إليها في أي وقت.

ومنذ اندلاع الحرب الأوكرانية، أصبحت منطقة القطب الشمالي، بحدودها المشتركة بين «موسكو» ودول أوروبا وحلف «الناتو»، مسرحًا لعمليات من نوع جديد في الحرب الروسية التي تصفها أوروبا بأنها حرب هجينة أو مختلطة، تستخدم فيها روسيا مزيجًا من الأساليب التقليدية وغير التقليدية للحد من تحركات أوروبا ضدها.

كان من ضمن هذه الأساليب مضاعفة حجم التجسس الذى تقوم به «موسكو» ضد الدول التي تشترك معها في المنطقة القطبية الشمالية، خاصة الدول الإسكندنافية، وقطع كابلات الغواصات النووية التي يمكن أن تستخدمها أوروبا ضدها، من بحر البلطيق وحتى أرخبيل «سفالبارد» القريب من النرويج في القطب الشمالي، والتشويش على أنظمة الملاحة وتحديد المواقع في تلك الدول. وردت السويد وفنلندا بالانضمام لحلف «الناتو» في عامي 2023 و2024، حتى يصبح الحلف أكثر قربًا والتصاقًا بالحدود الروسية استعدادًا لمزيد من التصعيد في المستقبل.

وإذا كانت «موسكو» تميل للجانب الصدامي، لفرض الهيمنة وإظهار القوة أمام خصومها أو جيرانها في القطب الشمالي، فإن «بكين» تتعامل بسياسة أخرى، حتى إن كانت شديدة الالتصاق والتعاون مع الجانب الروسي. ما يخشاه الغرب، ممثلًا في الولايات المتحدة وأوروبا كما يقول كتاب «دودز» و«بينيت»، هو أن القطب الشمالي يشهد أكبر تعاون استراتيجي واقتصادي وعسكري ما بين أكبر دولة في المنطقة القطبية الشمالية، وهى روسيا، وأكبر اقتصاد على مستوى العالم، وهو الصين، لكن، وعلى العكس من روسيا التي تغلق باب التعاون والمشاركة مع باقي دول المنطقة، تدخل الصين إلى القطب الشمالي حاملة لواء التعاون والأبحاث المشتركة وتطوير المجتمعات المحلية في القطب الشمالي، حتى تصبح بدورها قوة مؤثرة في القطب الشمالي حتى إن لم تكن موجودة جغرافيًا عليه.

وهكذا، قامت الصين بإنشاء محطة خاصة للأبحاث في أرخبيل «سفالبارد» قرب النرويج (الذى يثير اهتمام «موسكو»)، خاصة أن معظم الأبحاث الدولية المشتركة في منطقة القطب الشمالي ذات طابع بيئي يهتم بدراسة أثر التغيرات المناخية في تلك المنطقة التي تستلزم تضافر جهود العالم كله للتخفيف من آثارها، إلا أن القطب الشمالي، من وجهة نظر «دودز» و«بينيت»، له أهمية خاصة في خطط «بكين» بعيدة المدى لزيادة نفوذها العالمي، والسبب، موقعه المحوري في طرق التجارة الجديدة التى ترسمها الصين.

القطب الشمالي يشهد أكبر تعاون استراتيجي واقتصادي وعسكري

«طريق الحرير القطبي» هو طريق ملاحي يمر من خلال القطب الشمالي الذى تذوب ثلوجه لتفتح ممرات ومسارات جديدة، تختصر مسافات بعيدة من طرق التجارة التقليدية التي كانت تعتمد عليها الصين في تبادلاتها التجارية. كان الهدف الطموح في بداية الأمر منذ عام 2013 يتمثل في تحويل طريق بحر الشمال إلى ممر بحري ضخم يربط ما بين قارتي آسيا وأوروبا، إلا أن الواقع والتطورات السياسية في السنوات الأخيرة جعلا الأمر يقتصر على تحوله إلى ممر بحري محدود لنقل البضائع والمعادن والبترول والغاز الطبيعي ما بين روسيا والصين.

حتى هذه اللحظة، كان الأمر يبدو كأن التعاون والشراكة بين الصين وروسيا قد وصل إلى أقصى مدى له في القطب الشمالي. لكن الولايات المتحدة كانت تراقب الأمر عن كثب، ولا يعجبها ذلك التقارب الوثيق بين القوتين الكبيرتين التى تكفي كل واحدة منهما منفردة لإحداث صداع لا ينتهى في رأس من تواجهه.

ثم جاء الرئيس الأمريكى دونالد ترامب للحكم لفترة رئاسية ثانية في الولايات المتحدة بداية من عام 2025.

أى حديث عن الرئيس الأمريكى والقطب الشمالي لا يمكن أن يمر دون ذكر جزيرة «جرينلاند» التى تقع تحت سيادة الدنمارك رغم تمتعها بحكم ذاتى. كثيرون لم يكونوا يعرفون موقع «جرينلاند» على الخريطة حتى أعلن «ترامب» اهتمامه بها ورغبته في شرائها، أو حتى احتلالها عسكريًا لو لزم الأمر لا لاستغلال ثرواتها الطبيعية وحسب وإنما لموقعها الجغرافي الحيوى في المنطقة القطبية الشمالية.

فتحت «جرينلاند» جرحًا غائرًا وصنعت شقاقًا عميقًا بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين من أعضاء حلف «الناتو»، التى وجدت نفسها في مواجهة حليف أمريكى يهدد بالاعتداء أو بالتعدى على سيادة دولة من دول الحلف، وهى الدنمارك، على نحو أوقع أوروبا في حسابات وتعقيدات وتساؤلات لا تنتهى، عما إذا كان من الممكن تفعيل المادة الخامسة من بنود الحلف التى تعتبر أى اعتداء على دولة من دوله اعتداء عليه بالكامل، بحيث يتحرك أعضاؤه جميعًا للرد على هذا الهجوم، لكن كيف يمكن التصرف لو كان الطرف المهاجم لدولة من دول الحلف هو أكبر قوة ضاربة فيه وهو الولايات المتحدة الأمريكية؟

لم تتنفس أوروبا الصعداء إلا بعدما أعلن «ترامب» تراجعه «في الوقت الحالى» عن استخدام القوة العسكرية للسيطرة على «جرينلاند»، لكن على الجانب الآخر، وفي الوقت الذى كانت الفجوة فيه تتسع ما بين الولايات المتحدة وأوروبا بسبب تلك الجزيرة الواقعة في القطب الشمالي، كان هناك تقارب من نوع آخر يحدث ما بين الولايات المتحدة وروسيا، بشكل قد يؤثر على التقارب الروسى مع الصين.

هذا هو ما يتوقعه «دودز» و«بينيت» في كتابهما. أن فترة «ترامب» الثانية بين عامى 2025 و2029 يمكن أن تؤدى إلى إحداث فجوة في العلاقات ما بين روسيا والصين، لو تمت إعادة توطيد العلاقات التجارية والدبلوماسية ما بين الولايات المتحدة وروسيا، على نحو يدفع «موسكو» لإعادة النظر في مدى ارتباطها وتعاونها مع الصين في منطقة القطب الشمالي.

الاستثمارات ومحطات الأبحاث المشتركة

مؤشرات هذا التقارب بين «واشنطن» و«موسكو» الذى يمكن أن يضاعف من قلق وأرق أوروبا أمام التهديدات الروسية، بدا واضحًا في مؤتمر للطاقة عقد في «نيو دلهي» الهندية في مارس 2025، عندما وقف مسئولون في شركة الغاز الروسية العملاقة «نوفاتيك»، وهي الشركة التي تقوم بتشغيل اثنين من أكبر خطوط الغاز الطبيعي المسال في القسم الروسي من المنطقة القطبية الشمالية، كي يعلنا بكل جرأة أن العقوبات المفروضة على «موسكو» سوف يتم رفعها قريبًا. وفي نفس الشهر، أظهر الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» مساندته لطموحات «ترامب» في السيطرة على «جرينلاند»، فيما بدا كأنه يشجع الرئيس الأمريكي على أن يحذو حذوه، ويفرض على العالم قبول ضم الأراضي التي يريد لبلاده بسياسة الأمر الواقع، كما فعل هو نفسه في أوكرانيا، بما يعد انطلاقة لمرحلة جديدة في توسعات النظام العالمي الجديد.

إلا أن ما لا يعرفه كثيرون، هو أن «جرينلاند» ليست هي النقطة المشتعلة الوحيدة في القطب الشمالي، إذ هناك مناطق أخرى ملتهبة بالتوتر، تتشابك فيها الحسابات والطموحات السياسية لعدة أطراف بشكل معقد، وأي تحرك خاطئ فيها يمكن أن يشعل حربًا لا يعرف أحد مداها بين أطراف متعددة. من هذه المناطق، كما يقول كتاب «دودز» و«بينيت»، منطقة أرخبيل «سفالبارد» الذى يقع تحت سيادة النرويج ويثير اهتمام روسيا. وكذلك منطقة مضيق «بيرينج» بين روسيا و«ألاسكا» الأمريكية، ثم المناطق الحدودية دائمة التوتر الواقعة بين روسيا والدول الإسكندنافية، ومعها بالطبع المحيط المتجمد الشمالي الذى يمر بتغيرات مناخية عنيفة هي الأكثر تأثيرًا على تغير مسارات الملاحة والتجارة العالمية.

كلها مناطق توتر لها حسابات أخرى قد تكون أكثر تعقيدًا من حسابات «جرينلاند»، وبسببها يظهر بوضوح أن القوى العظمى، والقوى الوسيطة ذات الاهتمام بالقطب الشمالي وثرواته وممراته الملاحية لديها خطط متكاملة للتعامل معه، لا بد من انتظار ذوبان الجليد عنها تدريجيًا كما يذوب ذلك الجليد بالفعل في القطب الشمالي كاشفًا عن عالم جديد غير الذي كنا نعرفه.


مواضيع متعلقة