«ينقذ حياة المرضى».. أستاذ جراحة تجميل يوضح تفاصيل تقنية التبرع بالجلد وحدود تطبيقها
«ينقذ حياة المرضى».. أستاذ جراحة تجميل يوضح تفاصيل تقنية التبرع بالجلد وحدود تطبيقها
أثار مقترح تأسيس بنك التبرع بالأنسجة ، من قبل النائبة أميرة صابر عضو مجلس الشيوخ، جدلا واسعا عبر منصات التواصل الاجتماعي، وطرح العديد من التساؤلات حول آليات تطبيقه وحدوده، في مصر وما هو المعمول به في العام، وهو ما أجاب عنه الدكتور ياسر حلمي، عضو مجلس نقابة الأطباء وأستاذ جراحة التجميل بكلية طب بنين بجامعة الأزهر ووكيل كلية الطب للدراسات العليا والبحوث ومقرر. اللجنة العليا للتطوير المهني بالمجلس الصحي المصري وعضو مجلس نقابة الاطباء، وأكد أن هناك سوء فهم شائعا فيما يتعلق بالتبرع بالجلد، موضحا أن السؤال الأهم هو: هل الجلد المتبرع به يُزرع دائمًا؟ والإجابة الواضحة هي: لا، وهذه هي النقطة التي يُساء فهمها.
إنقاذ حياة مصابي الحروق
وأوضح أن الجلد المتبرع به، في أغلب الحالات الطبية، لا يُستخدم كزرع دائم، وإنما يكون غطاءً بيولوجيًا مؤقتًا (Biological dressing)، وتتمثل وظيفته الأساسية في تقليل فقد السوائل، وتقليل معدلات العدوى، وشراء الوقت لإنقاذ حياة المريض، على أن يتم لاحقًا استبداله بجلد ذاتي مأخوذ من المريض نفسه (Autograft) بعد استقرار الحالة.
وشدد على أن التبرع بالجلد ليس بديلًا دائمًا، لكنه قد يكون منقذًا مرحليًا في حالات معينة شديدة الخطورة، خاصة في حالات الحروق الواسعة.
وفيما يخص المصادر الطبية للجلد، أوضح أن هناك سيناريوهين فقط مقبولين علميًا لا ثالث لهما؛ الأول هو أخذ الجلد من متوفين حديثًا سواء في حالات الموت الدماغي أو التوقف القلبي، وذلك خلال ساعات محدودة جدًا ووفق بروتوكولات صارمة. أما السيناريو الثاني فيكون من متبرع حي ولكن في نطاق ضيق للغاية، من خلال شرائح سطحية جدًا من الجلد (Split-thickness)، وبمساحات محدودة، ودون إحداث أي عجز وظيفي أو تشوه، محذرًا من أن أي توسع خارج هذا الإطار يُعد كارثة طبية وأخلاقية.
مقترح إنشاء بنوك الأنسجة
وعن قابلية التطبيق الواقعية داخل مصر، أكد ضرورة الصراحة في هذا الملف، متسائلًا: هل النظام الصحي جاهز بالفعل لتطبيق آمن ومنضبط؟ وأوضح أن القطاع الصحي يشهد تطورًا ملحوظًا في منظومة الرعاية الصحية ونظام التأمين الصحي الشامل، ويجب البناء على هذا التطور وتعظيم فوائده ومخرجاته، إلا أن التطبيق الآمن يتطلب مجموعة معايير واضحة ومنظمة، في مقدمتها إنشاء Skin Banks حقيقية تعمل وفق معايير عالمية، ووجود نظام صارم لتتبع الأنسجة ومنع أي شكل من أشكال الاتجار بها، إلى جانب فرق طبية مدربة على التعامل مع حالات الحروق المتقدمة، وتشريعات تنفيذية دقيقة للغاية.
وأكد أنه في غياب هذه المنظومة، يتحول الاقتراح من كونه وسيلة لـ«إنقاذ حياة» إلى باب للفوضى أو مجرد طرح نظري غير قابل للتنظيم، وهو ما قد يؤدي إلى تجريف ثقة المجتمع والنخب في المنظومة الصحية.
وعن البعد الشرعي، وباعتباره أستاذًا بجامعة الأزهر، أوضح الدكتور ياسر حلمي أنه ليس في موقع إصدار فتوى أو رأي شرعي متخصص، إلا أنه أشار إلى أن القاعدة الفقهية العامة التي تعلمها في الأزهر الشريف هي قاعدة: «الضرورات تبيح المحظورات… بقدرها»، مؤكدًا أن الإباحة هنا مقيدة بشروط صارمة متفق عليها في فقه الأولويات.
وأشار إلى أن من بين هذه الشروط: أن يكون التبرع دفعًا لضرر فعلي قائم يمثل خطرًا حقيقيًا على الحياة، وألا يترتب عليه ضرر بالغ بالمتبرع، وأن تكون المنفعة المتحققة أعظم من المفسدة، مع ضمان عدم الامتهان أو الاتجار، وتحقيق الرضا الكامل والمسبق من المتبرع، والالتزام بـ ضوابط طبية موثوقة.
وأوضح أن الجلد، تحديدًا، يُعد من الأنسجة التي تتجدد بطبيعتها ولا يؤدي التبرع بها إلى إزالة وظيفة جوهرية، وهو ما يجعله أخف حكمًا من التبرع بأعضاء مثل القلب أو الكبد أو القرنية، إلا أنه شدد على أن أي صورة من صور الإكراه أو الغموض أو فتح الباب لسوق سوداء تمثل تحريمًا قطعيًا.
واختتم الدكتور ياسر حلمي تصريحه بالتأكيد على أن المبدأ في ذاته جائز طبيًا وشرعيًا، وأن التبرع بالجلد قد يكون منقذًا للحياة في حالات محددة، لكن تطبيقه دون بنية صارمة يمثل خطورة شديدة، مشددًا على أن الأولوية يجب أن تكون لـ تطوير وحدات الحروق، وإنشاء بنوك جلد، وتنظيم التبرع بعد الوفاة أولًا، ثم التفكير لاحقًا في أي تشريع، محذرًا من أن أخطر ما في هذا الملف ليس الفكرة نفسها، بل التبسيط الشعبوي لفكرة طبية وشرعية شديدة التعقيد.