علي الفاتح يكتب: نتنياهو يقود ترامب نحو كهف الذئب..!
علي الفاتح يكتب: نتنياهو يقود ترامب نحو كهف الذئب..!
يواجه الرجلان، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، المأزق نفسه؛ فالقبول بشروط الآخر كما هي إهدار للسيادة والهيبة، والولوج إلى حرب طويلة يهدد بعزل الأول، أو تحويله إلى "بطة عرجاء" حال خسارته انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، ويُنذر بزعزعة حكم الثاني، فالخسائر العسكرية والاقتصادية ستكون فوق طاقة تحمل الرجلين.
بحسب وسائل إعلام عبرية، يطير مجرم الحرب ورئيس وزراء حكومة اليمين الصهيوني بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، الأربعاء المقبل 11 فبراير 2026، ليبحث المفاوضات الأمريكية الإيرانية مع الرئيس دونالد ترامب. وكان مسؤولون إسرائيليون قد أفادوا لوسائل إعلام أمريكية بأن نتنياهو سيلتقي ترامب قبل التئام جولة المفاوضات الجديدة بيوم واحد، أي الأسبوع القادم في 18 فبراير، حيث من المتوقع أن تُعقد الجولة الجديدة في التاسع عشر من هذا الشهر.
تحرك نتنياهو السريع يعكس مخاوف إسرائيلية حقيقية بشأن إمكانية عقد اتفاق بين طهران وواشنطن حول البرنامج النووي في هذه المرحلة من المفاوضات، على أن يُترك ملف البرنامج الصاروخي الإيراني لجولة أخرى تُعقد في وقت لاحق، أو تُحال مسألة التخلص منه إلى حكومة الكيان الصهيوني في حال وقوع مواجهة عسكرية مع إيران، مع أخذ تعهد صريح من المفاوض الإيراني بعدم مهاجمة الكيان الصهيوني، وفي حال الصدام تعود الولايات المتحدة، ولكن فقط لتقدم الدعم اللوجيستي والاستخباراتي، دون أن تكون طرفاً مباشراً في الحرب.
الحسابات الاقتصادية والعسكرية المركبة للأزمة الحالية تقودنا إلى هذا التحليل، ليس من باب التفاؤل المفرط، أو الرغبة في عدم اندلاع هذه الحرب التي ستكتوي بها كل دول الشرق الأوسط، وإنما انطلاقاً من تقييم حجم الخسائر السياسية والاقتصادية التي سيتعرض لها الطرفان، الأمريكي والإيراني، مع التسليم بالتفوق العسكري الأمريكي، لكن هذا العنصر وحده لا يستوفي معايير المكسب والخسارة، وإن شئت القول النصر أو الهزيمة.
ترامب وخامئني محشوران في زاوية واحدة، ولا أبالغ لو ذهبت إلى القول بأن اشتعال الحرب بينهما سيقودهما إلى مصير واحد، مع بعض الاختلافات في التفاصيل، ومن يؤجج نار هذه الحرب لن يكون استثناءً؛ حيث سيتسبب نتنياهو في دمار هائل غير مسبوق في البنى التحتية العسكرية والاقتصادية والمدنية للكيان الصهيوني، حتى لو سقط نظام المرشد سيتحول نتنياهو في نظر أنصاره، قبل معارضيه، إلى عبء سياسي يمثل استمراره تهديداً وجودياً للكيان.
بالنسبة للرئيس الأمريكي، إما أن يقبل بصيغة توافقية حول الإطار العام لعملية التفاوض في سياق ما طرحته دول المنطقة (مصر وتركيا وقطر)، ويتلخص في تجميد تخصيب اليورانيوم لعدة سنوات، وتسليم الكميات المخصبة لطرف ثالث، وهناك روسيا ترحب ومستعدة لهذا الدور، على أن تعود إيران لتخصيب اليورانيوم بمعدلات بين 1.5% و3.5% تحت إشراف ورقابة دولية، مع تعهد طهران بعدم استخدام صواريخها الباليستية في الهجوم على الكيان الصهيوني ليظل سلاحاً دفاعياً.
وفيما يتعلق بوقف دعم الجماعات المسلحة في العراق واليمن ولبنان، فهذا مطلب إقليمي قبل أن يكون أمريكياً أو إسرائيلياً، ويمكن ترك أمر التفاوض بشأنه للدول العربية إضافة إلى تركيا.
مبدئياً، وافق ترامب على المطلب الإيراني بشأن أن يكون البرنامج النووي موضوع التفاوض في هذه الجولة على الأقل، وقد شارك وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تفاؤله بمفاوضات الجمعة الماضي التي جرت في سلطنة عمان كما اشترطت إيران.
بعض الأطراف الإقليمية طلبت من الرئيس الأمريكي الاتفاق أولاً حول الملف النووي، وإرجاء مسألة الصواريخ الباليستية لمرحلة تالية، وربما استحسن ترامب هذه الفكرة؛ فلعله يصل إلى اتفاق نووي أفضل قليلاً من الاتفاق الذي انسحب منه مع بداية ولايته الأولى عام 2017، مما يُمكّنه من تسويق الاتفاق كنصر سياسي عظيم يعطي مبرراً إما لتأجيل مسألة الصواريخ الباليستية أو القبول بتعهد إيران بعدم استخدامها للاعتداء على الكيان الصهيوني.
ترامب، رجل الأعمال، يريد صفقة يربح فيها دون أن يخسر بالتورط في حرب طويلة، خاصة أنه بالإمكان قراءة هذا الموقف في سياق ما ذكرته بعض التقارير الصحفية بشأن تلقيه إفادات استخباراتية تشير إلى امتلاك إيران منظومة رادارات متقدمة بوسعها كشف ما توصف بـ"فخر الصناعة الأمريكية" الطائرة الشبحية F-35 على بُعد ألف كيلومتر، علاوة على الطائرات الاستراتيجية من قاذفات ومقاتلات. ومن يملك راداراً بهذا التطور، المؤكد أنه يمتلك منظومة دفاع جوي تُمكّنه من اصطياد تلك الطائرات.
التقارير تشير إلى أن الصين هي من قدّمت تلك المنظومات، أي أن بكين دخلت على خط المواجهة بثقلها التكنولوجي العسكري، وهي أيضاً من تقوم أقمارها الصناعية برصد وتصوير كل التحركات العسكرية الأمريكية في المنطقة وإعطائها لإيران، مما يعني أن صواريخ طهران ستنجح هذه المرة في إصابة أهدافها العسكرية بنسب عالية، سواء في اتجاه القطع البحرية الأمريكية أو قواعدها، علاوة على أهدافها داخل الكيان الصهيوني من بنى تحتية عسكرية واقتصادية. يكفي سقوط طائرة شبحية واحدة لتفقد أمريكا قدرتها على ترويج فخر صناعتها F-35 في أسواق السلاح.
مقابل تهديدات ترامب، يؤكد خامئني أنه لن يمنح الأمريكان رفاهية الاكتفاء بضربة محدودة، فإطلاق أول صاروخ يعني اندلاع الحرب الإقليمية الكبرى. هنا يصبح حديث غلق مضيق هرمز، وارتفاع سعر برميل البترول إلى 200 دولار بحسب خبراء، روتينياً، لكن سيضاف إليه حديث آخر أكثر خطورة يمس هيبة وكرامة الدولة العظمى؛ عن سقوط مقاتلات ومقتل جنود وتفجير قواعد، وربما إعطاب حاملة الطائرات إبراهام لينكولن، التي تشير بشأنها تقارير صحفية دولية إلى امتلاك إيران صاروخاً صينياً صُمم خصيصاً لاستهداف حاملات الطائرات.
على الجانب الآخر، أمام خامئني خياران ليس من بينهما القبول بشروط ترامب كما هي؛ لأن جولة الجمعة في سلطنة عمان قد تجاوزت هذه المرحلة، الخيار الأول: رفض كل شيء بشأن المقترحات الخاصة بالملف النووي وباقي الشروط، ومن ثم الولوج إلى حرب قد يكبّد فيها القوات الأمريكية خسائر في الأرواح والعتاد، وينجح في إحداث دمار هائل داخل الكيان الصهيوني، لكن ذلك يعني استخدام ترامب كل قدراته العسكرية لتدمير إيران مهما كلفه ذلك.
الخيار الثاني: أمام المرشد الإيراني أن يُبدي مرونة في معالجة الملف النووي، ويستجيب لمطالب الدول العربية بشأن الجماعات الموالية له، وينصحها بالتخلي عن سلاحها والتحول إلى أحزاب سياسية، ودمج عناصرها المقاتلة ضمن صفوف الجيوش الوطنية في العراق ولبنان واليمن، حتى تتمكن هذه الدول من مواصلة الضغط على الرئيس الأمريكي بشأن القبول ببرنامج الصواريخ الباليستية كسلاح دفاعي.
أمام كل هذه السيناريوهات، هل أدرك ترامب أن حليفه مجرم الحرب بنيامين نتنياهو لن يقوده إلى رحلة صيد لاقتناص غزال ضعيف، أو الفوز بنصر زائف على أسد كسيح، وإنما نحو كهف مظلم يكتنفه الغموض وتملأه الأسرار، ويسكنه ذئب متحفز ينتظر إشارة الهجوم عليه، متسلحاً بآلاف الصواريخ والمسيرات، علاوة على التكنولوجيا الصينية التي تترقب هذه الحرب لاختبار قدراتها أمام أقوى جيوش العالم؟!
خلاصة القول: مع إطلاق أول قذيفة أمريكية ستبدأ خسائر ترامب السياسية، وستتعاظم مع سقوط كل جندي أمريكي، ومهما كانت النتيجة سيظل ترامب الخاسر الأكبر؛ لأنه سيفقد غروره الذي يعتز به، وربما يفقد معه عرش البيت الأبيض.