اقتراح يختبر قدرتنا على الفهم
اقتراح يختبر قدرتنا على الفهم
يصيبنا من وقت لآخر سوء هضم جماعي لبعض الأفكار، ليس بسبب حمقها أو فسادها، وإنما بسبب العناوين الصحفية سيئة الصنع، التي تقدمها إما باردة أو مجتزأة.
هذا العرض المرضي «المجتمعي» أصابنا بمجرد قيام النائبة أميرة صابر، عضو مجلس النواب عن تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، باقتراح تأسيس بنك وطني للأنسجة البشرية، وتيسير إجراءات التبرع بالأنسجة بعد الوفاة.
اقتراح بسيط في جوهره، لكنه خرج إلى الفضاء العام «المسموم» وتعامل معه البعض كما لو أنه وصفة لسلخ البشر، وليس مشروعاً طبياً إنسانياً لتخفيف آلام المرضى.
اقتراح من المفترض أن يمر في المجتمعات المتحضرة كخبر عادي، فإذا به عندنا يتحول -في ساعات- إلى فيلم رعب من إنتاج الـ«سوشيال ميديا»، ويحقق أعلى معدلات «اللايك والشير».
المفارقة الساخرة أن لدينا قانوناً للتبرع بالأعضاء والأنسجة منذ عام 2010، وتم تعديله عام 2018، وله شروط وضوابط واضحة، لا علاقة لها بالخيال الشعبي، ولا بنظريات المؤامرة.
القانون خرج إلى النور، لكنه ظل عندنا كجهاز كهربائي موجود في علبته، ولم نستخدمه بعد، وجاء اقتراح النائبة الواعية أميرة لا ليخترع تشريعاً جديداً، بل ليسأل السؤال المزعج: طيب… نطبق إمتى؟!، وهنا بالضبط بدأت المشكلة.
بدلاً من أن يناقش البعض كيفية إنقاذ مصابي الحروق، ومرضى السرطان، وحالات الفشل النسيجي، انشغلوا بالسؤال الأكثر إثارة: هو الجلد ده رايح فين؟
السؤال مشروع لو كان أصحابه قد اجتهدوا في الفهم، لكنه تحول عند البعض إلى فزّاعة إعلامية: «الحقونا عايزين يسلخوا جلدنا ويبيعوه!»، وانتظر هؤلاء إعجابنا بخيالهم المريض، الذي يرى في كلمة «تبرع» تهمة، وفي كلمة «بنك» مؤامرة، وفي كلمة «أنسجة» غموضاً مريباً.
المحزن أن كثيراً من هذا الهجوم لم يأتِ من عامة الناس فقط، بل شارك فيه نخبة من الإعلاميين والسياسيين والنواب السابقين، أعادوا نشر عناوين مبتورة حول الخبر، لا لشيء سوى أن الموضة السائدة الآن أن أي شيء يخرج من مجلس النواب أو الشيوخ يجب مهاجمته فوراً، وهكذا تحولت النقاشات العامة إلى مسابقات شعبية، مَن يصرخ أعلى، ومَن يخوفنا أكثر من غيره.
كل هذا الضجيج «شوشر» على جوهر الفكرة، وعلى هدف النائبة الشابة، لتنظيم التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، لإنقاذ أحياء يتألمون.
إذن، لا توجد مصانع، ولا تجارة، ولا أسواق سوداء، مجرد إطار قانوني وإجرائي محترم، يفعّل قانوناً معطلاً منذ أكثر من سنوات، لكن يبدو أن التحضر عند البعض لا يعني أن نفهم الجديد، بل أن نخاف منه أولاً، ثم نهاجمه، ثم نكتشف بعد سنوات أنه كان ضرورياً.
والسخرية الأشد مرارة تظهر حين نقارن أنفسنا بغيرنا، وقد لا يعلم من هاجموا الاقتراح، أن دولة الكيان الصهيوني المجاورة تملك أكبر بنك للجلود البشرية في العالم، منذ عام 1986، ويستخدم في علاج الحروق والسرطانات الجلدية، ويقدّم خدماته دولياً.
الفرق الجوهري ليس في وجود البنك، بل في مصادر الأنسجة، فهناك أدلة دامغة على سرقة جلود وأعضاء جثامين الشهداء الفلسطينيين، والإعلام الإسرائيلي نفسه أقر بذلك.
ورغم أن اليهود يرفضون التبرع بالأعضاء لأسباب دينية، فإن احتياطي إسرائيل من الجلد البشري المحفوظ يعادل 170 متراً مربعاً، وهو ما يطرح أسئلة أخلاقية مرعبة.
هنا تكمن المفارقة: نحن نملك تشريعاً، ونقاشاً علنياً، ونائبة تطرح فكرة إنسانية شفافة، وتتعرض للهجوم، بينما هناك نموذج آخر قائم على السرقة والاتجار، ومع ذلك، يقدمونه للعالم باعتباره «تقدماً طبياً».
أليس الأولى بنا أن نناقش اقتراح أميرة صابر بعقل، حتى لا نترك فراغاً أخلاقياً وعملياً يملؤه الآخرون بطرقهم؟
الإشادة الحقيقية هنا ليست بشخص النائبة فقط، وإنما بشجاعتها في فتح الملف المسكوت عنه، وبإصرارها على ربط الاقتراح بتفعيل قانون موجود بالفعل.
ورغم ذلك، فإن الاقتراح يعطينا فرصة نادرة لتصحيح المسار، ولتوعية الناس بثقافة التبرع بالأعضاء والأنسجة، بدلاً من الاكتفاء بصناعة الذعر.
المطلوب الآن ليس الهتاف مع أو ضد، بل نقاش مجتمعي واسع، يضع الأمور في سياقها الطبي والإنساني، ويعيد الفكرة إلى حجمها الطبيعي.
وما قدمته النائبة أميرة صابر ليس جريمة، ولا مؤامرة، ولا محاولة لسلخ جلد المجتمع. هو اقتراح عقلاني، أخلاقي، وإنساني، يختبر قدرتنا كمجتمع على الفهم قبل الهجوم، وعلى النقاش قبل التخوين.