يرحل المسئول ويبقى الأثر

أشرف زكى

أشرف زكى

كاتب صحفي

حين يرحل مسؤول عن موقعه، لا يكون الحدث مجرد انتقال إداري أو تبدّل في الأسماء والصفات، بل لحظة فاصلة تحمل في طياتها أسئلة أكبر من الشخص ذاته: ماذا أنجز؟ ماذا أخفق فيه؟ وما الذي يتركه خلفه من أثر في المؤسسات والناس والذاكرة العامة؟

إن رحيل المسؤول، طوعاً كان أم اضطراراً، هو مرآة لمرحلة كاملة، ففي مواقع القرار لا يُقاس الحضور بعدد السنوات فقط، بل بوزن القرارات، وبمدى اقترابها أو ابتعادها عن هموم الناس وتطلعاتهم، فبعض المسؤولين يمرون مرور الكرام، لا يتركون سوى توقيع على أوراق ومحاضر، بينما ينجح آخرون في أن يتركوا بصمة، تجعل من رحيلهم موضوعاً للنقاش والتقييم، ولذا ليس من الإنصاف أن يتحول رحيل أي مسؤول إلى مناسبة للتقديس الأعمى أو للتجريح المطلق.

فالمسؤول، مهما علا منصبه، يظل إنساناً يعمل ضمن منظومة معقدة من القيود والضغوط والتوازنات، النجاح لا يكون فردياً خالصاً، كما أن الفشل نادراً ما يكون خطأ شخص واحد، ومع ذلك، تبقى المسؤولية الأخلاقية والسياسية قائمة، لأن المنصب يمنح صاحبه سلطة، والسلطة تعني المحاسبة، وفي لحظة الرحيل، تبرز الأسئلة المؤجلة: هل استُخدمت السلطة لخدمة الصالح العام أم لترسيخ النفوذ؟ هل كانت القرارات جريئة بقدر ما كانت مسؤولة؟ هل فُتحت الأبواب أمام الكفاءات أم أُغلقت باسم الولاءات؟ هذه الأسئلة لا تُطرح بدافع التشفي، بل بدافع التعلم، لأن المجتمعات التي لا تراجع تجاربها محكوم عليها بتكرار الأخطاء نفسها.

رحيل المسؤول يكشف قوة المؤسسات أو هشاشتها، فالمؤسسة القوية لا تهتز بخروج شخص، مهما كان تأثيره، لأنها تقوم على قواعد واضحة واستمرارية في العمل، أما المؤسسات التي ترتبط بالأفراد أكثر من ارتباطها بالقانون، فإن رحيل المسؤول فيها قد يترك فراغاً مربكاً، أو يفتح الباب لفوضى انتقال المنصب.

للناس أيضاً نصيبهم من هذا الرحيل، فبين من يرى فيه نهاية مرحلة من الإخفاقات، ومن يراه خسارة لخبرة أو توازن كان قائماً، تتشكل آراء متعددة تعكس تنوع المجتمع نفسه، وفي كل الأحوال، يبقى الرأي العام شريكاً صامتاً في صناعة صورة المسؤول بعد رحيله، صورة قد تختلف كثيراً عما كان يُراد لها أثناء وجوده في المنصب.

وفي النهاية، لا تكمن أهمية رحيل المسؤول في شخصه فقط، بل في الدرس الذي يجب أن يُستخلص، فالمناصب زائلة، وما يبقى حقاً هو الأثر: أثر القرار الصائب، والكلمة الصادقة، والعمل الذي احترم عقل الناس وكرامتهم، أما الرحيل، فهو تذكير هادئ -أو صاخب أحياناً- بأن السلطة مرحلة، لا قدراً أبدياً.

لكن رحيل المسؤول لا يُقابل دائماً بالاتزان أو التقييم الموضوعي، إذ يبرز في المشهد طرف آخر، اعتاد أن يتحرك مع اتجاه الريح لا مع اتجاه المبادئ، وأصحاب المصالح الضيقة يجدون في لحظة الرحيل فرصة سانحة لإعادة التموضع، وتصفية الحسابات، وكتابة تاريخ جديد يخدم مصالحهم الآنية، فمنهم من يبالغ في التشهير بمن كان بالأمس حليفاً، ومنهم من يرفع صوت الشماتة لا حباً في الحقيقة، بل بحثاً عن مكسب أو اقتراب من مركز قوة جديد، هؤلاء لا يعنيهم تقييم التجربة بقدر ما يعنيهم الاستثمار في الفراغ، حيث يتغير خطابهم بسرعة لافتة؛ فالثناء يتحول إلى إدانة، والصمت إلى ضجيج، والمواقف إلى سلع قابلة للمساومة.

وفي خضم ذلك، تُشوه الحقائق، ويُختزل الأداء العام في سرديات سطحية، لا تهدف إلى الإصلاح ولا إلى الإنصاف، بل إلى ضمان موطئ قدم في المرحلة المقبلة، وربما الأخطر من الشماتة ذاتها، هو ادعاء الطهر السياسي بعد فوات الأوان، حيث يتقدم بعضهم بوجه الناصح المتأخر، متناسين صمتهم الطويل أو استفادتهم المباشرة من الواقع الذي ينتقدونه اليوم.

وهكذا، يصبح رحيل المسؤول اختباراً مزدوجاً: لا لضمير من غادر المنصب فحسب، بل لضمائر من بقوا، وكشفاً حقيقياً لطبيعة المواقف حين تغيب الحماية وتنهار المصالح.