الوزارة الجديدة والمرأة الرجعية
الآن، وقد تم إعلان التشكيل الوزاريِّ الجديد، يمكن التساؤل عن هذه الصرعة العجيبة التي انتابت عدداً من زملاء المهنة في الأسبوعين اللذين سبقا الإعلان عن التشكيل. ما هذا الكم من الذهول وغير المسبوق من الإغراق في نشر ألغاز ولوغاريتمات الوزارة الجديدة وأغلبها مضمونه صفر معلومات؟!
ما هذا الهوس الجديد بالتريند أو الشهرة أو الانتشار عبر وسائل أقل ما يمكن أن توصف به هي نقص المهنية والإحساس بالمسؤولية؟ ووارد ومقبول أن يكون لدى أحدهم معلومات أو مؤشرات عن توجهات أو أسماء بعينها في عملية التغيير والتشكيل، لكن وارد أيضاً أن يكون مصدر الألغاز والحروف المتفرقة وإيموجي الإثارة «قعدة حلوة على القهوة»، حيث يتم تداول أسماء وتكهنات غير معلومة المصدر في حكايات شعبية خلال أمسيات اجتماعية لطيفة، وإن كانت من تأليف وتلحين وإخراج الحاكي، أم إنه سمع عن أحدهم، وأحدهم سمع عن أحدهم وهلم جرا.
في كل الأحوال، هل يعقل لمن يحمل صفة «صحفيِّ» أن يعيد نشر مثل هذا الكلام؟ لا نلوم المستخدم العاديِّ كثيراً حين يقبل على هذا العبد العنكبوتيِّ غير المسؤول، وإن كنا ننصحه بقليل من التروّي لأن الكلمة مسؤولية، سواء كان صحفياً أو طبيباً أو عامل بناء أو ربة بيت. أما الصحفيُّ، فالصدمة كبيرة، لا سيما أن المحصلة من هذا الكم من الهبد صفر كبير.
الوزارة الجديدة حلفت اليمين. وانفض مولد خروج فلان وعلان، ودخول علان وفلان. الطريف أنك لو سألت مواطناً عادياً في الشارع عن أسماء من خرجوا ومن دخلوا، فأغلب الظن أنه لن يذكر إلا اسماً أو اثنين على أكثر تقدير. هذا ليس تقليلاً من هؤلاء أو أولئك، هذا مؤشر على نبض الشارع الذي تم توجيه هذا الكم المذهل من الهبد له.
نقطة، ومن أول السطر. نتمنى التوفيق للحكومة الجديدة، ولكن... هل هناك نية للتعامل مع الملفات التي تتعلق بمعاناة الناس حقاً؟ ويأتي على رأسها دائماً وأبداً الاقتصاد، ثم الاقتصاد، وأخيراً الاقتصاد. وسواء هذا صحيح أم خاطئ، فإن أولويات القاعدة العريضة من المصريين تتمثل في تحسن معيشتهم، ولو قيد أنملة، دون النظر إلى ما يجري في أعلى الهرم من سياسات اقتصادية كبرى، وقروض، وديون، وبيع وشراء، وغيرها. همهم الأول والأوحد رفع ولو قدر من المعاناة عنهم. وآخر ما يرغبون في سماعه التصريحات التي تتحدث عن تحسن الأداء الاقتصاديِّ، ونمو الإنتاج المحليِّ، وزيادة الاحتياطيِّ الأجنبيِّ، وارتفاع التصنيف الائتمانيِّ. بالطبع هي مؤشرات بالغة الأهمية، لكن طالما يتوجه المواطن إلى السوق ويجد نفسه يشتري ربع كيلو بدلاً من نصف، ويتوقف عن الذهاب إلى الطبيب ويعتمد على تكرار الروشتة، أو نصف ما جاء في الروشتة، لن يكتفي بعدم الالتفات إلى تصريحات تحسن الأداء، بل ستصيبه بالغضب.
مصر والمصريون يواجهون تحدياً بالغ الخطورة، ولكنه مكتوم تحت وطأة أولويات الاقتصاد. بل ربما يمثل ضغط الاقتصاد خطراً إضافياً. نساء مصر، الطفلة والمراهقة والشابة والسيدة، في خطر دامغ. إنه خطر الرجعية الشديدة التي تسري في المجتمع بسرعة مخيفة ودون صخب. الأدهى من ذلك أن المصريين والمصريات يستقبلونها بأذرع ممدودة، وترحاب بالغ. ولم لا والخطاب الدينيِّ الشعبويِّ واقع في قبضة «دعاة» صنعوا علمهم بأنفسهم، أو استقوه من أمراء الإرهاب الفكريِّ والتطرف والتشدد والرجعية، ويرتعون بأمان وسلام في كل مكان.
إذا كانت الإنترنت ومنصات السوشيال ميديا أدوات تمكين معرفيٍّ، ووسائل رائعة للبحث عن العلم والمعلومات، وتوسيع الأفق والمدارك، فهي أثبتت أيضاً أن من استخدمها بشكل أفضل هم أمراء الرجعية. هذا الكم المذهل من الصفحات والمحتوى الذي يضخ سموماً فكرية أغلبها موجه ضد النساء، ولكن يرتدي عباءة الدين وجلبابه، بدأ يؤتي ثماره في الشارع المصريِّ بشكل فج.
سواء كانت «فتاة الأوتوبيس» تعرضت للتحرش أم لم تتعرض، ألا يشكل مشهد الرجال الأشاوس بالسبحة والابتسامات اللزجة والتضامن الكامل مع «الدكر» والمهانة الكاملة المتكاملة للأنثى «يا بت اقعدِي ساكتة يا بت» وباقِي تفاصيل المشهد المزريِّ هي مجرد تفاصيل رمزية للتراجع الكبير في مكانة المرأة في عرف المجتمع المصريِّ.
للمرة المليون، جميل جداً أن يكون لدينا أربع وزيرات وعشرات السفيرات ومئات المديرات والعميدات، لكن الأجمل ألا تشعر الأنثى في الشارع «المستلفن» أنها شيطان رجيم.
فعل التحرش يصعب أو بالأحرى يستحيل توثيقه. والتحرش المتمثل مثلاً في تفحص معالم جسد المرأة، سواء كانت منتقبة (وهو مظهر من مظاهر التطرف الآخذ في الانتشار)، أو محجبة، أو غير محجبة، كيف يمكن توثيقه؟
هذا النوع من التحرش الذي يعكس خطاباً دينياً بالغ الكراهية للمرأة، ولكن في صورة التكريم، يختفي تماماً حين يسافر المتحرش شرقاً أو غرباً. لماذا؟