بعد كثير من التفكير والتخوف وبعد أسابيع من حساب الخطوة أخذ قراره الأخير وذهب ليحجز ميعاده ويحضر أولى جلساته.
لم يبلغ أحدا ألبتة بهذا القرار، ذهب فى صمت إلى عمله وفى منتصف اليوم استأذن منه لأسباب صحية، فكر فى إخبار زوجته عما سيقدم عليه لكنه تراجع، ماذا لو تشاجرا يوماً وعايرته وعلم الأولاد، كيف سيشعر كل منهم وهو يعلم أن والده به عيب أو خلل، ماذا لو عرف الجميع وذاع السر، ما زال المجتمع أيضاً لا يتفهم شيئا كذلك.
ظن أنه سيتمدد على كرسى مريح ويغمض عينيه ويحكى قصة حياته لكنه جلس على كرسى عادى -إحدى أرجله قصيرة «فيتلقلق» بشكل مزعج- وجلس أمام دكتور متململ ينظر لهاتفه المحمول كل خمس ثوان.
- مالك؟
- عندى رأى.
هنا اهتم الدكتور بشدة، الحالة باينة من عنوانها، من الواضح أنها ستكون حالة مثيرة.
- قلته لحد؟
- لا بالطبع، فكرت أن أقوله لزوجتى لكن خفت أن تخاف علىّ، فكرت أن أقوله لصديقى لكن ماذا لو خطرت له أفكار غريبة عنى، كنت سأقوله لأولادى ولكنى خفت أن يذهبوا لمدرستهم ويثرثروا عن رأيى لأصدقائهم، فكرت أن أرسله لإحدى الجرائد لكن ماذا لو استطاع أحد أن يتتبع بريدى الإلكترونى بأى شكل ويتتبعنى أى جهاز أمنى.
- إحنا بعد الثورة.
- نعم لكن رأيى ليس مجرد رأى سياسى.
هنا اهتم الدكتور أكثر وترك هاتفه تماما وجلس أمامه.
- رأيى وراؤه -ابتلع ريقه متوتراً- فكر، رأى حقيقى، رأى لا يحب الكثيرون سماعه، رأى قد يزعج أكبر مسئول ولكنه قد يغضب أصغر مواطن، رأيى يقول عنه من على يمينى إنه على يساره ويقول عنه من على يسارى إنه على يمينه، رأيى السر الذى يعلمه الجميع لكن لا يتكلمون عنه، رأيى قد يُقسم الجميع على خطئه ولكنهم يذهبون ليناقشوه مع وساداتهم فقط، رأيى يجلسون فى مجموعات ليؤكدوا شططه لكن بعدها تمر لحظات صمت متوترة انتظارا لأحد منهم ليلعب دور محامى الشيطان، لكن لا يفعل ذلك أحد، لا أحد يفكر فى لعب دوره غيرى أنا.
رأيى أنا نفسى لم أكن لأتبنّاه بسهولة، عنفت نفسى عندما فكرت فيه، خاصمتها عندما ارتبطت به، وضربتها بالجزمة عندما تبنته أكثر من أبنائها وبناتها.
ما هو الإنسان إن لم يكن آراءه؟ وكيف سيشعر وهو شخصان، آراؤه شخص وأقواله وأفعاله شخص آخر؟
تأتينى خواطر أن أقف فى أزحم الميادين وأصرخ به وأموت وأقتل فداء للبوح به، أصبحت أحلم كثيرا أننى أقف عارياً أمام الناس وعندما قرأت فى كتب تفسير الأحلام علمت أن الحلم هو انعكاس لأزمتى ومعضلتى.
كيف تصبح حرا وعقلك مكبل؟ وهل هناك إرهاب أسوأ من إرهاب فكرك؟
- إنت كويس جداً وأنا مطمّن عليك، بس ممكن أسمع الرأى ده؟
هنا ساد صمت قاتل.