والد النبي.. «النَّاجي»

كان عبدالله بن عبدالمطلب، والد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، شخصية استثنائية بكل المقاييس، فهو أصغر أولاد «عبدالمطلب»، وهو الذي حان عند بلوغه مبلغ الرجال أن يوفّي «عبدالمطلب» بالنذر الذي قطعه على نفسه، حين عيّره أهل مكة بأن له ولداً وحيداً هو «الحارث»، فأقسم لحظتها إن رُزِق بعشرة ذكور أن يذبح واحداً منهم تقرباً لله، وعندما أجرى الأب القرعة على أولاده خرجت على «عبدالله» أصغر أبنائه وأحبهم إلى قلبه، ولك أن تتخيل مشاعر هذا الفتى اليافع حين وقعت عليه القرعة ثلاث مرات بأن يكون الذبيح وفاءً للنذر الذي أقسم عليه أبوه.


محنة كبيرة عاشها الفتى وهو يراقب ما يحدث، ويتفاعل مع نتائج القرعة والحوارات التي تدور بين «عبدالمطلب» وكبار أهل مكة الذين أنكروا عليه أن يذبح ولده، ثم القرار الذي اتخذوه بأن يذهبوا جميعاً إلى إحدى الكاهنات لتفتيهم في أمر النذر العجيب الذي سيطيح بزينة شباب قريش. قطع «عبدالله» الطريق مع أبيه ورجال من قريش، واقترحت الكاهنة أن يضربوا القدح عليه وعلى الإبل، وظل القدح يخرج على «عبدالله» وهم يزيدون عدد الإبل حتى بلغت مائة من الإبل، خرج بعدها القدح عليها، فنجا «عبدالله» من الذبح، وبإمكانك أن تتصور حالة الإنهاك النفسي التي عاشها الفتى وهو يراقب نتيجة القرعة حتى رسا القدح على الإبل لتذبح مكانه.
«عبدالله»، والد النبي، كان فتى وسيماً قسيماً مضيء الوجه، وكان محل إعجاب الكثيرات من فتيات مكة، ويذكر «ابن الأثير» في «الكامل في التاريخ» أن امرأة من قريش، هي فاطمة «الخثعمية»، عرضت نفسها على «عبدالله» ووعدته إن فعل بأن تعطيه مائة من الإبل فرفض الحرام، ظلت «فاطمة» تحاول معه المرة تلو المرة، وكانت كلما رأته في الطريق تعرضت له وكررت عرضها وهو يأبى أن يطاوعها، وظلت كذلك حتى تزوج بالسيدة آمنة بنت وهب، ووضع فيها نطفة النبي، صلى الله عليه وسلم، فمر بـ«الخثعمية» فلم تفعل معه ما تعودت عليه فتعجب من أمرها، فقالت له: يا فتى ما أنا بصاحبة ريبةٍ، ولكني رأيت في وجهك نوراً، فأردت أن يكون لي، فأبى الله إلا أن يجعله حيث أراد، فما صنعت بعدي؟ قال: زوجني أبي آمنة بنت وهب.


هكذا مرت المدة القصيرة التي عاشها «عبدالله» فوق ظهر الحياة، تتزاحم فيها الابتلاءات، وكل ابتلاء عاشه كان يشغله عن الحياة في مكة وتفاعلاتها، فلم يظهر منفعلاً بأي جانب من جوانب ثقافتها الدينية، وكل ما كان يفعله في هذا السياق هو الطواف بالبيت العتيق، كما كان يفعل أبوه «عبدالمطلب»، وذلك قبل السفر في تجارة إلى الشام، وحين يعود إلى مكة. وقد شاء الله أن يموت «عبدالله» في واحدة من هذه السفريات، بعد أن حملت منه السيدة آمنة بأشرف خلق الله، فقد مرض أثناء وجوده في «الشام»، وانتقل بعدها إلى «المدينة» ليستشفى بها، وشاء الله أن توافيه المنية هناك، وكان له من العمر 25 سنة، وربما أقل من ذلك.


هكذا انتهت حياة «عبدالله»، والد النبي، في اللحظة التي بدأ فيها رسول الإنسانية ينبت في أحشاء السيدة آمنة، وشاء الله ألا يدركه فيؤمن برسالته العظمى، فنجا بتجربته البسيطة في الحياة قبل أن يبعث الله نبيه.. يقول تعالى: «وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً».