محمود مرزوق يكتب: كنز دفين في الدرب الواسع!

كتب: محرر

محمود مرزوق يكتب: كنز دفين في الدرب الواسع!

محمود مرزوق يكتب: كنز دفين في الدرب الواسع!

نشرت مجلة «الدنيا المصورة» في يناير عام 1931 تحقيقاً صحفياً مثيراً حمل عنوان «كنز دفين في الدرب الواسع»، يكشف عن واحدة من أغرب الوقائع التي واكبت موجة التحديث والتطوير التي غيَّرت وجه القاهرة في مطلع القرن العشرين.

بدأت القصة حين قررت الحكومة المصرية تحديث عدد من أحياء العاصمة القديمة، مما استدعى هدم مساكن ومبانٍ قديمة لإفساح المجال أمام بناء عقارات حديثة. من بين المناطق التي هبَّت عليها رياح التطوير كان شارع الدرب الواسع، ذلك الشارع العتيق الذي يقع حالياً في محيط شارع كلوت بك بوسط القاهرة.
كان الشارع يضم مباني ذات أهمية تاريخية، من بينها البطرخانة القبطية ومقر إقامة بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية قبل انتقاله إلى المقر الحالي في العباسية، الذي افتُتح في عهد الرئيس عبدالناصر. قرَّر أحد مُلاك العقارات في هذا الشارع هدم منزله القديم لبناء عمارة حديثة، فاستأجر مجموعة من العمال للقيام بأعمال الهدم.

ومع تعمق العمال في الحفر، اكتشفوا وجود أقبية وسراديب تشير إلى أن البيت كان مبنياً على أساسات مبنى أقدم يعود إلى حقبة سابقة. وكان من بين العمال رجلان يتميزان بنشاط وهمة، هما عبدالغفار ومخيمر، إذ كانا يصلان إلى موقع العمل قبل الجميع ويواصلان العمل حتى غروب الشمس. وقد أثار هذا النشاط اللافت شكوك عامل ثالث يُدعى فرغلي، فقرَّر مراقبتهما عن كثب.

وبعد أيام من المراقبة الدقيقة، اكتشف فرغلي السر؛ إذ عثر عبدالغفار ومخيمر أثناء الحفر على جرتين من الفخار ممتلئتين بقطع ذهبية لامعة. ولم يتردد فرغلي في التوجه فوراً إلى أقرب قسم شرطة، وهو قسم الأزبكية، حيث قدَّم بلاغاً مفصلاً عما شاهده.

تحركت الشرطة على الفور ونجحت في القبض على عبدالغفار، بينما لاذ مخيمر بالفرار ولم يتمكنوا من الوصول إليه. وخلال التحقيق، أنكر عبدالغفار في البداية أي علم له بالأمر، لكن تفتيشه كشف عن حيازته ثلاث قطع ذهبية. وحين سُئل عنها، ادَّعى أنه وجدها مصادفة أثناء الحفر، وأنه لا يعرف ماهيتها أو قيمتها الحقيقية.

انتدبت الشرطة حسين أفندي راشد، أمين دار الآثار العربية آنذاك، لفحص القطع الثلاث وتحديد طبيعتها. وبعد الفحص الدقيق، تبيَّن أن القطع عبارة عن مسكوكات ذهبية نادرة؛ اثنتان منها تعودان إلى اثنين من سلاطين المماليك: الأشرف إينال، صاحب المجموعة المعمارية الشهيرة في صحراء المماليك والحمام الصغير في شارع المعز، والسلطان الظاهر جقمق، أحد سلاطين دولة المماليك الجراكسة.

أما القطعة الثالثة فكانت الأكثر إثارة للدهشة؛ إذ تبيَّن أنها عملة ذهبية من البندقية تحمل نقشاً لوجه السيد المسيح على أحد وجهيها، ونقشاً آخر للقديس مرقس على الوجه الآخر. وهذا القديس هو ذاته الذي سرق تجار البندقية رفاته من الإسكندرية في عصر السلطان المؤيد شيخ المحمودي، وأُطلق اسمه على أشهر ميادين مدينة فينيسيا «سان مارك». وفي سنة 1962 استعادت الكنيسة المصرية رفات القديس مرقس، حيث استقبله البابا كيرلس السادس وأعاده إلى موضعه في الكنيسة المرقسية بالإسكندرية.

وبالطبع فإن وجود عملة البندقية ضمن الكنز لم يكن أمراً مستغرباً في سياق ذلك العصر، فقد كانت عملات البندقية منتشرة على نطاق واسع في مصر خلال العصر المملوكي، خاصة في عصر المماليك الجراكسة. ويرجع السبب في ذلك إلى انتشار ظاهرة غش عيار العملة المملوكية، مما دفع التجار إلى فقدان الثقة في الدينار المملوكي واللجوء إلى اكتناز عملات البندقية التي كانت تتميز بوزنها الدقيق وعيارها السليم.

وفي محاولة لاستعادة الثقة في العملة المحلية، أقدم السلطان برسباي على ضرب عملات ذهبية جديدة على نفس وزن وعيار عملات البندقية، في خطوة تهدف إلى إنعاش الاقتصاد واستعادة هيبة الدينار المملوكي في الأسواق. ومن المرجَّح أن العملات البندقية التي عُثر عليها في الدرب الواسع وصلت إلى مصر نتيجة حركة التجارة النشطة التي كانت قائمة بين سلاطين المماليك وتجار البندقية قبل اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح.

غير أن الأمر الذي يثير الفضول والحيرة في هذا التحقيق يتمثل في عدة نقاط؛ أولها المبنى القديم الذي اكتُشفت تحته الأقبية والسراديب، والذي من المؤكد أنه مبنى أثري، ربما كان تكية أو حواصل وكالة تجارية أو منشأة أخرى ذات طابع تاريخي. ومع ذلك، لم يُذكر عنه المزيد من التفاصيل، ولا ما إذا كان قد تم الحفاظ عليه أو دراسته أثرياً.

وثانياً، وهو الأكثر إثارة للدهشة، أن التقرير ينتهي دون أن يكشف عن مصير الجرتين الممتلئتين بالعملات الذهبية؛ فلا نعرف هل تم ضبطهما من قبَل السلطات، أم أن مخيمر الهارب نجح في الاستيلاء عليهما. كذلك لم يوضح التقرير مصير عملة البندقية النادرة: هل آلت إلى دار الآثار العربية أم إلى جهة أخرى؟

تظل هذه القصة شاهداً على تلك اللحظات الفريدة التي تكشف فيها أعمال الهدم والبناء عن ماضٍ عريق يروي حكايات التجارة والسلطة والفن في عصور مضت.


مواضيع متعلقة