النبي يَبكي أمه
هناك عدة مواقف في السيرة ظهر فيها النبي، صلى الله عليه وسلم، وهو يستدعي أمه السيدة آمنة بنت وهب، ويبكي بكاءً مراً أمام قبرها.
من ذلك على سبيل المثال ذلك الموقف الذي يحكيه «ابن كثير» في «البداية والنهاية» عن عبدالله بن مسعود، وفيه يقول: خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ينظر في المقابر، وخرجنا معه، فأمرنا فجلسنا، ثم تخطى القبور حتى انتهى إلى قبر منها فناجاه طويلاً، ثم ارتفع نحيب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، باكياً، فبكينا لبكاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثم إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أقبل علينا فتلقاه عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله ما الذي أبكاك؟ لقد أبكانا وأفزعنا، فجاء فجلس إلينا فقال: أفزعكم بكائي؟ قلنا: نعم، قال: إن القبر الذي رأيتموني أناجي: قبر آمنة بنت وهب، وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي، واستأذنت ربي في الاستغفار لها فلم يأذن لي فيه، ونزل عليّ: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ)، فأخذني ما يأخذ الولد للوالدة من الرقة، فذلك الذي أبكاني.
هذه الرواية التي يقدمها «ابن كثير» ويستدعيها غيره من كتّاب السيرة تشير إلى أن الله تعالى أذن للنبي في زيارة قبر أمه السيدة آمنة، ولم يأذن له في الاستغفار لها، وأنزل عليه قوله تعالى: «مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى».
والثابت لدى «ابن كثير» نفسه أن هذه الآية نزلت في عم النبي أبي طالب بن عبدالمطلب وليس في السيدة آمنة على وجه الإطلاق. يقول «ابن كثير» في تفسيره: لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي، صلى الله عليه وسلم، وعنده أبوجهل، وعبدالله بن أبي أمية، فقال: أي عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله، عز وجل، فقال أبوجهل وعبدالله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبدالمطلب؟ فلم يزالا يكلمانه، حتى قال آخر شيء كلمهم به: على ملة عبدالمطلب. فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: لأستغفرن لك ما لم أُنه عنك. فنزلت: «مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ».
موقف عبدالله، والد النبي، وموقف والدته، السيدة آمنة، يختلف أشد الاختلاف عن موقف عمه أبي طالب، فقد مات «عبدالله» والنبي نطفة في أحشاء والدته، وماتت أمه وهو ابن ست سنوات، أما «أبوطالب» فقد أدرك البعثة واستمع إلى النبي وهو يدعو إلى الإسلام، ويتلو كلام الله، ويدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وقد أبى الدخول تحت راية النبي، رغم إخلاصه الشديد في الدفاع عنه وحمايته من أذى قريش، لكن ذلك أمر والإيمان بالله ورسوله أمر آخر.
نخلص مما سبق إلى أن رواية أن الله تعالى لم يأذن للنبي في الاستغفار لأمه عليها تحفظات، ويتناقض المؤرخ الواحد -مثل «ابن كثير»- في حكايتها، والأرجح أن الله تعالى نهى النبي عن الاستغفار لعمه وليس لوالدته السيدة آمنة بنت وهب.