سامح فايز يكتب: شانيل وقوت القلوب.. اختلاف لا خصومة
سامح فايز يكتب: شانيل وقوت القلوب.. اختلاف لا خصومة
ستّ ساعات كاملة قضيتها بين كتابين يتناولان الشخصية نفسها، ويغوصان في التاريخ ذاته، ويستدعيان الاسم ذاته: قوت القلوب الدمرداشية.
خرجت من القراءة بحقيقة بسيطة لكنها حاسمة: نحن أمام منهجين مختلفين تمامًا، لا أمام نصين متشابهين.
الفارق هنا ليس في العنوان، ولا في الشخصية، ولا حتى في بعض الوقائع التاريخية المتاحة للجميع في الأرشيف. الفارق في زاوية النظر، وفي طبيعة السؤال، وفي طريقة بناء السرد.
جدلٌ مشتعل ملأ منصات التواصل الاجتماعي فور إعلان التشكيل الوزاري الجديد، وطرح اسم الأكاديمية جيهان زكي لتولي حقيبة الثقافة، مع الإشارة إلى حكم قضائي غير نهائي صادر عن المحكمة الاقتصادية يتحدث عن وجود نسبة اقتباس من كتاب الباحثة والصحفية بمؤسسة الأهرام، الدكتورة سهير عبد الحميد.
وبعيدًا عن ضرورة احترام أحكام القضاء، ووجوب انتظار حكم الطعن بالنقض المقدم من الوزيرة جيهان زكي، فإننا الآن أمام كتابين لاسمين بارزين، كلٌّ في مجاله.
كتاب الدكتورة سهير عبد الحميد ينتمي بوضوح إلى تقاليد الكتابة الصحفية البحثية.
الروح الغالبة عليه هي روح الصحفي الذي يتتبع الخيط الأول، ثم يمضي خلفه في الأرشيف، ويقابل أطراف القصة، ويعيد ترتيب الوقائع في سياق اجتماعي وتاريخي متماسك.
تبدأ الرحلة من قصر الدمرداش ومسجده، لكنها لا تتوقف عند المعمار، بل تتتبع جذور العائلة إلى العصر المملوكي، وتتنقل بين الوثائق، وأخبار الصحف، وتاريخ المستشفى، وتحولات المرحلة الملكية.
هناك جهد أرشيفي واضح، وتوثيق كثيف، وإحالات متكررة إلى مصادر صحفية، وكأننا أمام ملف تاريخي أُعيد فتحه بعين صحفية شغوفة.
أما كتاب الدكتورة جيهان زكي فهو شيء مختلف تمامًا. ليس تحقيقًا أرشيفيًا، ولا سيرة تقليدية بالمعنى الكلاسيكي، بل دراسة ذات نفس نقدي مقارن.
الفكرة تولدت من لحظة اكتشاف ذهني: ماذا لو وُضعت تجربة قوت القلوب في مرآة تجربة كوكو شانيل؟ ماذا لو قُرئت سيرة امرأتين عاشتا بين الشرق والغرب، وكتبت إحداهما بالفرنسية عن مجتمعها، بينما أعادت الأخرى تعريف صورة المرأة الأوروبية؟
هنا يتغير السؤال، وبالتالي يتغير المنهج. لم يعد الهدف جمع أكبر قدر من الوثائق، بل بناء مقارنة ثقافية وفكرية بين مسارين متوازيين.
يتحول النص إلى مساحة تحليل لمفهوم الحرية، وصورة المرأة، وعلاقة الهوية بالحداثة، وأثر التحولات السياسية الكبرى في مصائر النساء خلال مطلع القرن العشرين.
وحتى حين تستدعي المؤلفة وقائع تاريخية، فإنها تستدعيها بوصفها مادة للتحليل، لا غاية في ذاتها.
ومع القبول بفرضية أن الوزيرة أفادت من البحث الصحفي في كتاب «سيدة القصر: سيرة قوت القلوب الدمرداشية»، فإنها المسألة نفسها التي اتبعتها سهير عبد الحميد في نفس الكتاب عندما استعانت برواية الكاتبة القديرة هالة البدري «نساء في بيتي»، وقد وضعت قوت القلوب كإحدى بطلات العمل.
واستفادت هالة البدري في روايتها من إلمامها باللغة الفرنسية في الوصول إلى روايات قوت القلوب التي لم يُترجم معظمها إلى العربية، فقد كانت تكتب بالفرنسية، وهي الميزة نفسها المتاحة للأكاديمية جيهان زكي، التي قدمت رسالتها للدكتوراه بجامعة لوميير ليون 2.
وهذا هو جوهر المسألة: الاختلاف في المنهج.
منهج صحفي بحثي يقوم على التتبع والتوثيق وإعادة تركيب الوقائع، في مقابل منهج نقدي مقارن يقوم على القراءة التحليلية وبناء الجسور بين تجربتين ثقافيتين.
قد يلتقي الكتابان في بعض المحطات التاريخية العامة، لأن المادة التاريخية واحدة ومتاحة، لكن طريقة الاشتغال عليها مختلفة جذريًا.
في النقاشات التي اندلعت على منصات التواصل الاجتماعي، اختُزلت المسألة في سؤال ساذج: من كتب أولًا؟ بينما السؤال الأعمق كان يجب أن يكون: كيف كتب كل منهما؟ وبأي أدوات؟ ولأي غرض معرفي؟
عندما نعيد الاعتبار لمفهوم «المنهج»، تتبدد كثير من الضوضاء. فالتشابه الحقيقي لا يُقاس بوحدة الموضوع، بل بوحدة البنية والمنظور وطريقة المعالجة.
وهنا تحديدًا يتكشف الفارق.
بين السيرة والتحليل… لماذا لا يصح الخلط؟
في أزمنة الاستقطاب، يسهل إطلاق الأحكام، ويصعب الصبر على القراءة. لكن القراءة وحدها هي التي تحسم.
الكتاب الأول يعيد بناء سيرة في سياقها المصري: عائلة الدمرداش، جذورها، مؤسساتها، حضورها في المرحلة الملكية، علاقتها بالصحافة والسياسة، تفاصيل القصر والمستشفى والمسجد.
إنه اشتغال على «المكان» و«الوثيقة» و«الشاهد».
ويخرج القارئ بصورة شبه مكتملة عن البيئة التي تشكلت فيها قوت القلوب.
أما الكتاب الثاني فينقلنا إلى فضاء أوسع: علاقة الشرق بالغرب، مفهوم المرأة الحديثة، تأثير الحربين العالميتين، تحولات المجتمعين المصري والفرنسي.
قوت القلوب هنا ليست فقط ابنة عائلة عريقة، بل نموذج ثقافي يُقرأ في ضوء تجربة كوكو شانيل.
المقارنة ليست تجميلًا، بل أداة تحليل تكشف نقاط التشابه والاختلاف، وتضع التجربتين في إطار فكري أرحب.
حتى اللغة تختلف.
في الأول نجد لغة قريبة من التقرير الصحفي المدعوم بالمراجع، وفي الثاني لغة أقرب إلى التأمل الأكاديمي الذي يبني أطروحته خطوة خطوة.
الأول ينشغل بإعادة اكتشاف شخصية كادت تُختزل في اسم شارع أو مستشفى، والثاني ينشغل بإعادة تأويلها ضمن سردية الحداثة النسوية العابرة للثقافات.
هل يمكن أن يشترك الكتابان في بعض المعلومات العامة؟ بالطبع، لأن التاريخ ليس ملكًا لأحد. الوقائع الكبرى، وتواريخ الميلاد والوفاة، وأسماء الأماكن، والأحداث السياسية، كلها مواد مفتوحة.
لكن الاختلاف في طريقة التوظيف هو ما يصنع الفارق بين عملين.
الخلط بين السيرة الصحفية والدراسة النقدية المقارنة يشبه الخلط بين من يوثق رحلة، ومن يحلل معناها. الأول يسأل: ماذا حدث؟ والثاني يسأل: ماذا يعني ما حدث؟
بعد نقاشات طويلة وقراءة متأنية، وصلت إلى قناعة واضحة: نحن أمام عملين متوازيين لا متطابقين، متجاورين لا متداخلين. لكل منهما منطقه الداخلي، وبنيته، وأدواته.
والاختلاف بينهما ليس في التفاصيل فحسب، بل في الرؤية ذاتها.
ربما يكون الدرس الأهم من هذه التجربة أن الاتهام أسهل من القراءة، وأن الصخب أعلى صوتًا من المنهج. لكن في النهاية، ما يبقى هو النص، وطريقة بنائه، والجهد المبذول فيه.
أما الضوضاء… فتخفت دائمًا مع أول قراءة جادة.