طقوس رؤية هلال رمضان

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

يرتبط بدء صيام شهر رمضان بولادة هلال القمر، دورة الشهر الكريم جزء من السنة الهجرية التي تعتمد في حساباتها على دورة القمر، وتعد رؤية هلال شهر رمضان إيذانا ببدء الشهر، والصيام مناسبة جليلة في العالم الإسلامي يترقبها المسلمون في كل مكان احتفاء بالشهر. ولرؤية رمضان طقوس روحية يتمسك بها المسلمون في كل بقاع الأرض.

حين يقترب الغروب في آخر يوم من شعبان، لا يكون المساء مساء عاديا في بلاد المسلمين، زمن معلق بين شهرين، تتوقف فيه الحياة قليلا، يحبس الناس أنفاسهم، كأن الكون كله ينتظر إشارة صغيرة في السماء. كانت رؤية الهلال طقسا له قدسيته، يخرج فيه الناس جماعات، رجال وشيوخ وصبية، يتجهون إلى الأماكن المرتفعة، أسطح البيوت، أطراف الصحراء، شواطئ البحار، حيث الأفق مفتوح بلا عائق، يذهبون لرؤية الهلال وكأنهم يذهبون للقاء ضيف عزيز طال انتظاره.

في تلك اللحظات، تشخص العيون إلى السماء، لكن القلوب أشد تركيزا. لا ضجيج، لا لهو، فقط همسات الدعاء، واسترجاع النية، وشعور داخلي بأن شيئا عظيما على وشك أن يبدأ. فإذا لمح أحدهم الهلال، لم يكن يصرخ فرحا كمن وجد شيئا ضائعا، بل يرفع صوته بالشهادة، وتنتقل البشرى من فم إلى فم، ومن قلب إلى قلب، حتى تصل إلى القاضي أو الإمام، الذي يتثبت ويسأل، لا تشككا، بل تعظيمًا للأمانة.

ما إن تثبت رؤية الهلال، حتى يتبدل وجه المدينة في لحظة. ترتفع الأصوات بالتكبير، تصدح المآذن بإعلان قدوم رمضان، فتتحول السماء نفسها إلى شريك في الفرح، ويشعر الناس أن الزمن قد انشق عن صفحة جديدة. في بعض البلاد كان المنادون يجوبون الشوارع حاملين المشاعل، يرددون عبارات البشارة، وفي أماكن أخرى كانت الطبول تقرع قرعا خفيفا مهيبا، لا للهو، بل للإعلام بأن شهر الطاعة قد حل.

البيوت تعيش الطقس ذاته. النساء يسرعن إلى إشعال المصابيح، وتنظيف المجالس، وتحضير ما يليق بأول سحور، كأن البيت يستعد لاستقبال زائر كريم لا يجوز أن يراه في فوضى. الأطفال ينتظرون اللحظة بشغف خاص، لا لأنهم يصومون، بل لأنهم يشعرون أن العالم يتغير، وأن الليل صار له طعم آخر، وأن الشوارع ستضئ، والقلوب ستلين.

كانت رؤية الهلال تقترن بولائم بسيطة، وتوزيع الطعام على الجيران والفقراء، تعبيرا عمليا عن الفرح، كأن الناس يقولون إن رمضان لا يدخل إلا ومعه الكرم. في مجتمعات أخرى، كان الناس يخرجون بعد الإعلان في مسيرات هادئة، يتبادلون التهاني، وتختلط الدعوات بالابتسامات، دون صخب، لأن الفرح هنا فرح طاعة لا فرح زينة.

مع اختلاف الشعوب وتباعد الأمصار، ظلت روح الطقس واحدة. في المشرق والمغرب، في المدن الكبرى والقرى الصغيرة، كان الهلال هو الكلمة الفصل، وكانت رؤيته حدثا جماعيا يعيد تشكيل الوجدان. الإعلان عن قدوم رمضان لم يكن قرارا إداريا، بل لحظة شعورية مشتركة، يشعر فيها الفرد أنه جزء من أمة واحدة تنظر إلى سماء واحدة، وتبدأ عبادتها بإشارة واحدة.

ارتبط الهلال أي القمر بالقداسة منذ الزمن الأول، فعندما رفع الإنسان عينيه إلى السماء شعر أن القمر ليس جرما صامتا، بل رفيق رحلة، وميزان زمن، ورسول مواقيت، ومع الهلال تحديدا بدأت حكاية روحية عميقة، امتزج فيها الإيمان بالفطرة، والسماء بالأرض، والعين بالقلب. رؤية هلال رمضان لم تكن يوما فعلا بصريا خالصا، بل كانت وما زالت طقسا جامعا، تتجلى فيه علاقة الإنسان بالكون، وإحساسه بأن الزمن في يد الخالق لا في يد الحسابات الجافة.

مع مرور الزمن وتغير الأدوات، خفتت بعض المظاهر وبقي الجوهر. غابت المشاعل، وقل المنادون، لكن ما زال في القلوب ذلك الترقب القديم، وما زال الغروب في آخر شعبان مختلفا، وما زال الهلال، حين يولد، يوقظ في الإنسان ذاكرة عميقة، تقول إن رمضان لم يكن يوما مجرد شهر، بل حالة روحية تبدأ من نظرة صادقة إلى السماء.

مع اتساع رقعة الدولة الإسلامية، وتنوع البيئات بين صحراء وساحل وجبل، بدأت الحاجة إلى تنظيم الرؤية، لا لنزع بُعدها الروحي، بل لصيانتها من الاختلاف والفوضى. فظهر الشهود العدول، وبرز القاضي الذي يتلقى الخبر، وتحولت الرؤية إلى فعل جماعي له هيبته ووقاره. وفي تلك اللحظات، كان الناس يخرجون عند الغروب، تتجه الأبصار إلى الأفق، وتحبس الأنفاس، فإذا لمح أحدهم الخيط الفضي الرفيع، دوى التكبير، لا لأنه قمر جديد، بل لأن بابا من أبواب الرحمة قد فتح.

مع دخول العصر الحديث، وتقدم البصريات، ظهرت التلسكوبات والمناظير، فازدادت القدرة على رصد الهلال في ظروف لم تكن العين المجردة تقوى عليها. هنا بدأ جدل جديد، لا حول القمر، بل حول معنى الرؤية ذاته. هل هي رؤية العين أم رؤية العلم؟ وهل تفقد العبادة روحها إن استعانت بالأداة؟ ومع مرور الوقت، نضج الفهم، وأدرك كثيرون أن الأدوات ليست إلا امتدادا لحاسة الإنسان، وأن المقصد لم يكن يوما حرمان العقل من دوره، بل حفظ الصلة بين الإنسان والسماء.

هكذا وصلنا إلى صورتنا الراهنة، حيث تجتمع اللجان الشرعية، ويقف الفلكيون بجوار الفقهاء، وتتداخل الحسابات مع الشهادة، دون أن يلغي أحدهما الآخر. ورغم الأقمار الصناعية، والكاميرات فائقة الحساسية، لا يزال المشهد القديم قائما؛ أناس يخرجون عند الغروب، ينظرون إلى الأفق بقلوب متلهفة، لأن رؤية الهلال، في جوهرها، ليست إعلان بداية صيام فحسب، بل تذكير بأن الإنسان، مهما تقدم، لا يزال محتاجا إلى أن يرفع رأسه للسماء، ويقرأ الزمن بنور القمر.