وصلت طائرة السعادة
أن تعيش وسط احتفالية جميلة حاشدة يتحول فيها الشارع المصري -وأؤكد المصري - إلى مهرجان شعبي، حيث تنفرد مصر عن أي دولة إسلامية بهذه الصور الفلكلورية التي نعيشها منذ أجيال وأجيال، فهذا يعني أن طائرة السعادة وصلت وهبطت ومعها التاريخ والعادات والتقاليد المصرية الرمضانية، فجميع المنازل بلا استثناء تضيء واجهاتها بالفوانيس التي تختلف من نوع إلى آخر حسب الحي والمستوى الاجتماعي والمادي، إلا أن الاتفاق واحد، ألا وهو الاحتفال.
أما الطرقات الجانبية والشوارع الصغيرة فتري فيها الأوراق الملونة الذهبية والفضية وقد تقاطعت في رسومات من صنع الصغار والشباب، وننتقل إلى الميادين الرئيسية، فتجد الفوانيس المعدنية العملاقة وكلمات الترحيب بشهر الكرم والخير التي تضيء السماء وتنافس نجومها الحقيقية. ورغم دخولنا القرن الواحد والعشرين إلا أن هناك الكثير من العادات التي يعيشها أبناء القرى والمدن الصغيرة، فأطفالهم ينتظرون (النفحة) من كبارهم، حيث يجتمع الصغار ليستمعوا إلى أذان المغرب، ليلقي المصلون الحلوى والنقود الذهبية عليهم.
وتروي كتب التاريخ القديم أجمل قصة وأكثرها إثارة عن تقاليد رمضان، وهو المدفع الذي اعتاد المصريون سماعه وقت أذان المغرب وقبل أذان الفجر بدقائق، فيحكي أن حاكم مصر في العصر المملوكي (خوشقدم) كان يُجرب مدفعاً جديداً أهداه له أحد الولاة، وتصادف أن الطلقة الأولى جاءت وقت غروب شمس أول رمضان عام 859 هـ، وعقب ذلك توافد على قصر الحاكم الشيوخ وأهالي القاهرة يشكرونه على إطلاق المدفع في موعد الإفطار، فاستمر بإطلاقه بعد ذلك.
وفي عام 1805، كان محمد علي الكبير، والي مصر ومؤسس حكم الأسرة العلوية في مصر، يجرّب مدفعاً جديداً من المدافع التي اشتراها من ألمانيا في إطار خططه لتحديث الجيش المصري فانطلقت أول طلقة وقت أذان المغرب في شهر رمضان فارتبط صوته في أذهان العامة بإفطار وسحور رمضان فأطلقوا على ذلك المدفع اسم (الحاجة فاطمة) لإتباعه برمضان، وكان مكانه في ذلك الوقت قلعة صلاح الدين الأيوبي.
وفي منتصف القرن التاسع عشر، وتحديداً في عهد الخديو عباس الأول، 1853، اعتاد المصريون على سماع مدفعين في القاهرة، الأول من القلعة والثاني من سراي عباس باشا الأول بالعباسية. وفي عهد الخديو إسماعيل تم التفكير في وضع المدفع في مكان مرتفع حتى يصل صوته إلى أكبر مساحة من القاهرة واستقر الرأي على جبل المقطم، حيث كان الاحتفال بخروجه قبل بداية شهر رمضان محمولاً من القلعة على عجلة ذات عجلات ضخمة، ليعود بعد نهاية شهر رمضان والعيد إلى القلعة مرة أخرى.
وتطورت وظيفة المدفع، فكان أداة للإعلان عن رؤية هلال رمضان، فبعد ثبوت الرؤية تنطلق المدافع من القلعة ابتهاجاً بشهر الصوم، علاوة على إطلاقه 21 طلقة طوال أيام العيد، وهكذا استمر صوت المدفع عنصراً أساسياً في حياة المصريين الرمضانية حتى ظهر الراديو، ليتوقف إطلاقه من القلعة في أحيان كثيرة، وإن ظل التسجيل الصوتي له يُذاع يومياً عبر أثير الراديو والتليفزيون. وفي عهد وزير الداخلية اللواء أحمد رشدي عام 1983 أصدر قراراً بإعادة إطلاق المدفع من قلعة صلاح الدين طوال رمضان، ليعود للمدفع دوره من جديد.
وفي بداية التسعينات طلبت هيئة الآثار المصرية من الداخلية وقف إطلاقه من القلعة خوفاً على المنطقة الأثرية، التي تُعد متحفاً مفتوحاً حيث تضم القلعة والجامع المرمري وجامع السلطان حسن والرفاعي، وبالفعل تم نقله إلى جبل المقطم مرة أخرى مع الإبقاء على مدفع واحد كمعلم سياحي في ساحة متحف الشرطة بقلعة صلاح الدين، ليظل ذلك المشهد الخالد مرحباً دوماً بطائرة السعادة.