حفلات خيرية وهمية.. كيف كشف «فن الحرب» الوجه الخفي لغسيل الأموال؟

كتب: نرمين عزت

حفلات خيرية وهمية.. كيف كشف «فن الحرب» الوجه الخفي لغسيل الأموال؟

حفلات خيرية وهمية.. كيف كشف «فن الحرب» الوجه الخفي لغسيل الأموال؟

الحلقة الأولى من مسلسل فن الحرب للفنان يوسف الشريف، طُرح ملف شائك ونادر التناول درامياً، يتمثل في استغلال الحفلات والأنشطة الخيرية كغطاء لعمليات غسيل الأموال، وهو ملف لطالما تناولته دراسات وتقارير استقصائية دولية، من بينها تقارير منشورة على مواقع بحثية متخصصة مثل IPEECO.

العمل الدرامي لم يبتدع الفكرة من فراغ، بل استند إلى واقع موثق، إذ أظهرت تقارير دولية أن بعض الأنشطة الخيرية، رغم نبل أهدافها الظاهرية، تحولت في حالات معينة إلى أدوات لإضفاء الشرعية على أموال ناتجة عن أنشطة غير مشروعة، مستغلة التعاطف الإنساني والثقة المجتمعية الكبيرة التي تحظى بها المؤسسات الخيرية.

حين تتحول النوايا النبيلة إلى غطاء للجريمة

تمثل المؤسسات الخيرية رمزا عالميا للرحمة والتكافل، وتُعد منصة للتعبير عن التضامن الإنساني وتخفيف المعاناة وتعزيز العدالة الاجتماعية، غير أن تزايد الأزمات الإنسانية عالميا، وما صاحبه من توسع كبير في عدد الجمعيات والمنظمات غير الربحية، خلق بيئة خصبة للاستغلال من قبل شبكات إجرامية وجماعات منظمة.

وتشير تقارير إعلامية ودراسات بحثية إلى أن بعض المجرمين يستغلون حالات الطوارئ والكوارث الإنسانية للتسلل عبر قنوات التبرعات، وغسل الأموال من خلال أنظمة مالية ضعيفة الرقابة، ما يسيء لسمعة العمل الخيري ويقوض فعالية مشاريعه الحقيقية.

كيف تُستغل المؤسسات الخيرية في غسيل الأموال؟

لتشجيع التبرعات، تمنح دول كثيرة حوافز وإعفاءات ضريبية للمنظمات الخيرية والمتبرعين، وهو ما فتح الباب أمام ممارسات احتيالية. ووفقاً لتقرير صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول إساءة استخدام المؤسسات الخيرية في غسيل الأموال والتهرب الضريبي، فإن أبرز الأساليب تشمل:

تسجيل منظمات كجمعيات معفاة من الضرائب، مع ممارستها لأنشطة خاضعة للضريبة فعلياً.

إصدار إيصالات لتبرعات وهمية لم تتم على أرض الواقع.

تحرير إيصالات بأسماء موظفين أو عاملين داخل المؤسسة نفسها.

استخدام الجمعيات الخيرية كواجهة لتمويل الإرهاب أو تحويل الأموال إلى جماعات متطرفة.

اختلاس التبرعات واستخدامها لأغراض شخصية.

التلاعب في تقييم قيمة السلع المتبرع بها.

وفي كثير من الحالات، يظل المصدر الحقيقي للأموال مخفياً، خاصة في ظل ضعف التحقيقات أو غياب التنسيق بين المؤسسات المالية والجهات الرقابية.

نموذج واقعي: قضية بنك الفاتيكان

يُعد بنك الفاتيكان من أبرز الأمثلة التي كشفت مخاطر غياب الشفافية. ففي ثمانينيات القرن الماضي، وخلال أزمة إفلاس بنك أمبروزيانو، كُشف عن تحويلات مالية غامضة وحسابات سرية مرتبطة بتبرعات خيرية، وأدت الفضيحة إلى فتح تحقيقات واسعة، انتهت بإصلاحات داخلية وإجراءات رقابية صارمة بأمر من البابا يوحنا بولس الثاني.

العلاقة بين المؤسسات الخيرية وتمويل الإرهاب

لم يقتصر الخطر على غسيل الأموال فقط، بل امتد إلى تمويل الإرهاب، فقد حذّر تقرير صادر عام 2014 عن فرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية من إساءة استخدام المنظمات غير الربحية في دعم الأنشطة الإرهابية، خاصة في مناطق النزاع والدول الفقيرة بالموارد.

وأشار التقرير إلى أن الجمعيات الصغيرة أو حديثة النشأة تكون أكثر عرضة للاختراق، نتيجة ضعف الخبرة القانونية والرقابية، ما يجعلها هدفاً سهلاً للجماعات المتطرفة التي تستغل مصداقيتها المجتمعية لتجنيد الأموال وتحويلها بعيداً عن أعين الرقابة.

الدراما تفتح ملفاً مسكوتاً عنه

من هنا، يُحسب لمسلسل «فن الحرب» أنه فتح باب النقاش حول قضية معقدة وحساسة، مسلطاً الضوء على الوجه الخفي لبعض الأنشطة الخيرية، دون المساس بالقيمة الإنسانية الحقيقية للعمل الخيري، بل مؤكداً على أهمية الشفافية والرقابة، حتى لا تتحول أعمال الرحمة إلى أدوات بيد الجريمة المنظمة.