«أباظة» العلم والخبرة والإنجاز
في مسيرة الوطن أسماء لا تصنع ضجيجاً، لكنها تترك أثراً عميقاً لا يُمحى. يُعد أحد الرموز الطبية والإدارية المصرية التي جمعت بين العلم والانضباط، وبين الطب كرسالة والوظيفة كمسئولية وطنية.
إنه الأستاذ الدكتور عبدالحميد عمر أباظة، استشاري الكبد والجهاز الهضمي ومساعد وزير الصحة الأسبق.. والده كان من الجيل الثاني للضباط الأحرار وتدرّج في القوات المسلحة حتى تولى رئاسة سلاح الإمداد والتموين، وينتمي إلى الأسرة الأباظية بمحافظة الشرقية، تلك العائلة المصرية العريقة.
«د. عبدالحميد أباظة» من مواليد عام 1954، والتحق بكلية الطب - جامعة القاهرة، إذ تخرج في نوفمبر 1976 بتقدير جيد جداً مع مرتبة الشرف، في دلالة مبكرة على مسار علمي جاد قائم على التفوق والاجتهاد. ومنذ التحاقه بالخدمة الطبية في مارس 1977، لم يكن الطب بالنسبة له مجرد مهنة، بل كان التزاماً أخلاقياً تجاه المرضى والمؤسسة التي يعمل بها.
بدأ رحلته العملية في وحدة صحية بمحافظة الشرقية وتعرّف على تفاصيل المشكلات الصحية، ثم انتقل إلى قسم الأمراض الباطنة ووحدة أبحاث الكبد بمستشفى أحمد ماهر في أبريل 1978، وهي الوحدة التي ارتبط اسمه بها ارتباطاً وثيقاً، إذ كان من أوائل من أسهموا في تأسيس وحدة الموجات فوق الصوتية لأبحاث الكبد منذ إنشائها عام 1980، ليصبح لاحقاً أحد أعمدتها ومؤسسيها الحقيقيين.
وعلى الصعيد العلمي، واصل مسيرته الأكاديمية بحصوله على ماجستير أمراض الباطنة عام 1978، ثم الدكتوراه من جامعة عين شمس عام 1982، إلى جانب مشاركته في بعثات تدريبية متخصصة داخل مصر وخارجها، إذ اكتسب خبرات متقدمة في استخدام الموجات فوق الصوتية في الباطنة والجراحة والنساء والتوليد.
لم تكن الترقيات التي حصل عليها انعكاساً للأقدمية بقدر ما كانت تقديراً للكفاءة، فترقى من مساعد أخصائي إلى أخصائي، ثم إلى استشاري، وتولى رئاسة قسم أبحاث الكبد اعتباراً من عام 1994، قبل أن يُكلف بعدد من المناصب الإدارية المهمة، منها مساعد مدير عام مستشفى أحمد ماهر، ثم مديراً عاماً للمستشفى، وصولاً إلى توليه منصب أمين عام هيئة المستشفيات والمعاهد التعليمية عام 2001، ومساعد أول وزير الصحة رئيس المجلس القومي للسكان.
وفي المجال الأكاديمي، أسهم الدكتور عبدالحميد أباظة بدور بارز في معهد الكبد بجامعة المنوفية، إذ شغل رئاسة قسم الموجات الصوتية، وقام بأعمال مديره، وكان أحد مؤسسيه، واضعاً لبنة مهمة في صرح طبي أكاديمي أصبح لاحقاً منارات متخصصة في أمراض الكبد.
د. أباظة مهموم بقضية القيم الطبية الإنسانية ومنزعج من خصخصة المستشفيات وانتشار ظاهرة الإعلان عن الطب والأدوية في القنوات الفضائية، كما يتمنى أن يتلقى الفقير قبل الغنى خدمة طبية متميزة حسب حالته المرضية وليست المادية.
ارتبط «د. أباظة» بعمالقة الطب في جيله أمثال د. يسن عبدالغفار وإبراهيم بدران وحمدى السيد وحيدر غالب، فتعلم منهم القيم قبل العلم، كما ساهم في إصدار أهم القوانين الطبية مثل التأمين الصحي الاجتماعي الشامل وزراعة الأعضاء.
إن ما يميز هذه المسيرة الممتدة ليس فقط تنوع المناصب، بل السمعة الإنسانية والمهنية التي ارتبطت بصاحبها؛ طبيب قريب من مرضاه، إداري يحترم زملاءه، ومسئول يدرك أن المنصب تكليف لا تشريف. كما امتدت أدواره إلى المجال الاجتماعي والتعليمي، من خلال عضويته في الأندية الرياضية، ومجالس إدارة المدارس، ومشاركته الفاعلة في الأنشطة المجتمعية.
ويبقى الدكتور عبدالحميد عمر أباظة نموذجاً للطبيب المصري الذي جمع بين العلم والخبرة، وبين العمل الميداني والإدارة الرشيدة، تاركاً أثراً مهنياً وإنسانياً يليق بسيرة تُكتب للتقدير والاحترام، لا للمجاملة.